المسلمون السُنّة بين التحدّيات الوطنية ولم الشمل
كانون الثاني 10, 2021

ما هي أبرز التحدّيات التي تواجه الساحة الوطنية من وجهة نظر "القوى السُنّية"؟ وما هي سبل مواجهتها؟

هل هناك حالة إحباط تسود في صفوف المسلمين السُنّة ؟ وكيف تنظر الأطراف الفاعلة في هذا الوسط لذلك؟

من المسؤول عن لم شمل المسلمين السًنّة في لبنان؟ ومن الذي يبادر إلى ذلك؟


تشهد الساحة اللبنانية حالات من عدم الاستقرار السياسي الأمني الاقتصادي والاجتماعي، التي تمثّل تحديات متواصلة للسلطة القائمة تلقي بأعبائها على كل المكونات السياسية والمهنية والطائفية اللبنانية، إصافة الى التحديات التي يعيشها المواطن اللبناني على المستوى الاقتصادي والمالي مع التدهور الحاصل على المستويين في ظل ارتفاع سعر الدولار امام الليرة، وارتفاع أسعار السلع والمواد الأساسية، إضافة إلى الحديث مؤخراً عن رفع الدعم أو ترشيده، أضف الى ذلك أزمة وباء "كورونا" التي أثقلت كاهل اللبنانيين. ولا بد من الإشارة هنا أيضاً إلى الانفسام السائد بين أطراف السلطة السياسية والمكونات اللبنانية، وحتى ضمن الطائفة الواحدة، والاختلاف القائم في وجهات نظرها تجاه التحديات التي تواجه البلد والمسؤولية عن الانهيار الحاصل على كل المستويات، وبالطبع فإن حالة الضياع التي تعيشها المنطقة وما يجري فيها من خلافات ينعكس بشكل مباشر على الداخل اللبناني بأسره.


التحدّيات الوطنية

تنقسم الأطراف اللبنانية فيما بينها حول الملفات الداخلية والتحديات على المستوى الوطني، وينسحب هذا الانقسام إلى داخل المكوّنات الأساسية اللبنانية التي يعش بعضها حالة إحباط إلى جانب الانقسام، وفي هذا السياق يسري على المسلمين السُنّة في لبنان ما يسري على غيرهم بالنظر إلى التحديات الوطنية، وتحديد المسؤول عن الوصول الى هذا الدرك، ولكل منهم وجهة نظره المختلفة في هذه الأمور.

فتيار المستقبل الذي يمثّل الأكثرية السًنّية يرى أن أبرز التحدّيات الوطنية الحالية تتمثّل في كيفية الحفاظ على البلد موحداً وهو ما أشار إليه النائب السابق ونائب رئيس تيار المستقبل مصطفى علوش الذي اعتبر أنّ "أبرز التحديات الوطنية تكمن في كيفية المحافظة على البلد موحداً، حيث أن كل المؤشرات تشير إلى أن احتمال تفكك البلد اصبح يقترب بسرعة في ظل غياب الحلول وغياب امكانية وقف الانهيار على المستوى الاقتصادي والمالي"، مؤكداً أنّ التحدي الأكبر يتمثل بالمحافظة على حدود وجغرافية لبنان والنظام السياسي التعددي فيه، ويتفق المستقبل مع الجماعة الإسلامية في هذا الموقف، غير أنّ الجماعة تعتبر "أن التحدي الحقيقي يبرز بالسعي إلى التقسيم بكل أشكاله والذي يهدف إلى استهداف الطائفة السنية وشرذمتها"، وذلك وفق ما أوضح نائب رئيس مكتبها السياسي الأستاذ علي أبو ياسين، في حين يعتبر تيار العزم وفق ما صرّح به الدكتور عبد الرزاق قرحاني أنّ "البلد يعيش حالة من عدم الإستقرار لم يشهدها لبنان من قبل، تطرح أكثر من علامة استفهام وتحدٍّ لوجود هوية ودور هذا البلد العائم على بحر هائج تتلاطمه الأمواج والعواصف في العالم والمنطقة".


التحدّيات التي تواجه السُنّة في  لبنان

ومن التحدّيات الوطنية إلى التحدّي الذي يواجهه المسملون السنة في لبنان والذي يتمثّل بحسب ما يقول البعض بحالة من الضياع أو التخبط أو كما يسميها البعض "الاحباط" نتيجة الانقسام الحاصل بين مكوناتها وعدم تواجد مرجعية موحدة ومركز قرار مشترك لديها، وعدم الاتفاق على رؤية معيّنة تسعى لانتشال هذا المكوّن ولم شمله لمواجهة التحديات المحدقة به وبلبنان، ولكل طرف وجهة نظر تخنلف عن الأخر اتجاه التحديات الراهنة التي تواجه هذا المكوّن الأساسي.

فتيار المستقبل يعتبر أنّ الإشكالية الكبرى اليوم تقع على الواقع السُنّي الذي يشهد حالاً من فقدان البوصلة على المستويين السياسي والاقتصادي، بالاضافة إلى تشتت القيادة وعدم وجود نوع من التفاهم على قيادة موحّدة لـ "الطائفة السنية"، كما أشار النائب السابق مصطفى علوش، في حين أنّ الجماعة الإسلامية ترى أنّ "السنّية السياسية مسؤولة عن ما آلت إليه أوضاع السُنّة في لبنان، بسبب الاتفاقات الثنائية والتنازلات وخاصة الموافقة على قانون الانتخابات الأخير"، وعبّر نائب رئيس مكتبها السياسي علي أبو ياسين عن خشية الجماعة من فشل الرئيس المكلف من تشكيل الحكومة والذهاب إلى تكليف شخصية ثانية تتحمل مسؤولية وزارة الخارجية ويكون مخططها تمرير بعض الملفات اللصيقة بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي، وبالتالي تحميل السُنّة وزر هذا العمل.

في المقابل يعتبر الدكتور قرحاني من وجهة نظر تيار العزم "أنّ التحدّيات التي تواجه المكون السُنّي تتمثل بالحفاظ على الثوابت الإسلامية الصادرة عن دار الفتوى عام 2011، والحقوق الوطنية التي كرّسها اتفاق الطائف، بالاضافة إلى النأي بالنفس عن الصراعات العربية والداخلية في بعض الدول العربية، اضافة إلى تحديد موقف واضح من المقاومة يحفظ تاريخها وحقها في مقارعة الاحتلال، ويميز بين سلاحها المقاوم، وسلاحها الذي قد يستخدم في الداخل للهيمنة على القرار السياسي، ويكرّس الخلل في القرارات الداخلية، وأخيراً بلورة موقف من الصراع القائم في المنطقة (بين إيران والدول العربية والخليجية خاصة)، يحافظ على متانة العلاقة بهذا العمق العربي، والسلم الأهلي، وعدم إثارة النعرات الطائفية والمذهبية"، في حين يعتبر حزب "الاتحاد" أنّ التحديات التي تواجه المسلمين السُنّة في لبنان كثيرة وترتبط بشكل أساسي بحجم الدور التاريخي للسُنّة على المستوى الوطني" وذلك وفق ما صرح به نائب رئيس الحزب المحامي أحمد مرعي.


السبيل للم الساحة السنية في لبنان

وعن السبيل للم شمل "الساحة السُنّية" والمسؤول عن ذلك، يسعى كل طرف من الأطراف السُنّية المؤثرة على الساحة اللبنانية إلى العمل للم شمل الساحة السنية لمواجهة التحديات، ولكن كل من موقعه من دون التوحّد على صيغة مشتركة وموحّدة للوصول الى رؤية مشتركة لجمع هذه "الساحة". إذ أنّ علوش يعتبر أنّ "السبيل الحقيقي للم الشمل السُنّي من وجهة نظر تيار المستقبل في ظل حالة التخبط التي تسيطر عليه تكمن في الذهاب إلى رؤية مشتركة وموحّدة على المستوى المحلي والإقليمي"، وبالطبع الجماعة الإسلامية تتفق مع المستقبل بهذا الأمر كما أشار نائب رئيس مكتبها السياسي أبو ياسين إلى أنّها "تقترح الدعوة إلى لقاء يشمل الأقطاب السُنّية الرسمية وغير الرسمية، وتبنّي عملاَ مشتركاَ للحفاظ على دور السنة في البلد"، في حين أن تيار العزم يرى "أنّ السبيل للم شمل الساحة السنية يبدأ بالعمل على ايجاد فكرة رؤية ومشروع يلبّي طموح كل المكوّنات الطائفية ويراعي التحدّيات التي يواجهها السُنّة ويساهم في الحدّ من الاحباط ويحافظ على الحقوق الدستورية، بالاضافة إلى تكريس التعدّدية واحترام التنوع في البيئة الواحدة، اضافة إلى تحديد الثوابت التي يجب الحفاظ عليها أمام أي متغير قد يطرأ أو يفرض من خلال عقد اجتماعي جديد، وأخيراً الحفاظ على استقلالية المؤسسات السُنّية الرسمية في لبنان".

اذاً لبنان اليوم أمام تحدّيات ومطبات خطيرة على كافة المستويات، كما وأنّ المسلمين السُنّة فيه أمام تحدّيات لا تقلّ خطورة، ولكن على الرغم من الحديث عن إحباط يسود هذا المكوّنن غير أنّ كل أطرافه تنظر إلى لمّ شمله لمواجهة التحدّيات المحدقة بهم وبالوطن، لكنّ كل منها ينتظر مبادرة من الطرف الآخر، وبانتظار هذا المبادر تبقى الأمور على حالها.

إعداد : ريحانة نجم