مصلحة تسجيل السيارات .. السماسرة ينهبون المواطنين
آذار 08, 2019

آفاق نيوز – خاص

الخطوة التي بدأتها وزيرة الداخلية والبلديات، ريّا الحسن، بإزالة المكعبات الإسمنتية من شوارع العاصمة والمدن الأخرى، ومن أمام منازل المسؤولين لاقاها المواطنون بالترحيب والتفاؤل بإمكانية بناء دولة حقيقية تحفظ حق المواطن وكرامته، بل وطالب العديد من المواطنين من الوزيرة الحسن، ومن غيرها من الوزراء القيام بخطوات إصلاحية أخرى حقيقية وجدّية تحفظ حق المواطن وكرامته، وتشعره بالانتماء فعلاً إلى هذا الوطن، وتضع حداً لحالة الفوضى والتسيّب والهدر والفساد الذي يعشعش في أغلب إن لم نقل في كل مؤسسات الدولة.

في زيارة عادية إلى مصلحة تسجيل السيارات في الدكوانة يرى ويشاهد الزائر العجب العجاب. يرى كيف يتم سرقة المواطنين "على عينك يا تاجر"، ومن دون أن يكون محمياً من أية جهة قانونية أو إدارية أو مسؤولة. أما الجناة هناك فهم السماسرة الذين يديرون شبكات تمتد إلى داخل كل غرفة من غرف المصلحة، وأما الضحية فهم المواطنون المراجعون الذين أتوا إلى المصلحة أما من أجل تسجيل سيارة، وإما من أجل نقل ملكية، وإما من أجل إخراج آلية من السير أو غيرها من المراجعات.




تبدأ عملية الاستهداف من لحظة وصول أي مراجع إلى محيط المصلحة. يتهافت عليه السماسرة، يعرضون عليه تقديم الخدمات، ولا يطلبون شيئاً في البداية كـ "طعم" للإيقاع به. وبعد تسليم نفسه لهم تبدأ عملية السرقة الممنهجة. بدل رسوم من هنا. بدل طوابع من هناك. بدل تأمين من مكان ثالث. بدل رسوم بلدية. بدل تخمين. بدل أتعاب تكون في أغلب الأحيان مجهولة. يسلّم الضحية نفسه وأوراقه وكل ما يملك لمصّاصي المال أولئك، ثم يطلبون منه الانتظار في ركن من أركان المصلحة، وبعد إنجاز المهمة وإحضار المعاملة وقد تمّ إنجازها، تكون المفاجأة. يطالبونه بمبالغ طائلة مقابل إنجاز معاملته غير الرسوم التي دفعها، ويصبح في حيرة من أمره إما أن يدفع تلك المبالغ، وإما يتم حجز معاملته إلى حين دفع المطلوب. وهكذا تتم ممارسة السمسرة أو السرقة بهذه الطريقة.

أحد المراجعين أخبرنا اشترط على أحد السماسرة أن يحدد مبلغاً معيناً لنفسه قبل أن يباشر بالمعاملة، فطلب من أجل إنجازها مليون وستماية ألف ليرة، لكن المراجع رفض هذا الطلب، وقرر السير بإنجاز معاملته بنفسه، فدخل عليه سمسار آخر، واشترط عليه أيضاً تحديد المبلغ المطلوب دفعن ليتفاجأ أن السمسار الثاني طلب لإنجاز المعاملة ذاتها مليون ومئتي ألف ليرة، وصعق المراجع هنا من هذا الفرق وهو أربعمئة ألف ليرة بين سمسار وآخر في وقت لا يتجاوز نصف ساعة. وقد أنجز السمسار الثاني المعاملة بهذا المبلغ. وهكذا تجري الأمور ويجري معها سرقة المواطنين بدم بارد.

مُراجع آخر أخبرنا أنه أراد أن ينجز معاملته بنفسه، وهنا الاكتشاف العظيم. لم يلق بالاً لأي سمسار هناك. تفقّد معاملته فوجدها مكتملة الشروط والأركان، بعد أن وصل إلى المصلحة في وقت باكر على أمل أن ينجز المعاملة سريعاً قبل الاكتظاظ.

يقول المُراجع : ذهبت إلى المكان المخصص لقطع وصل من أجل معانية السيارة، فأعطاني الموظف، بعد انتظار لحوالي ربع ساعة، وصلاً على أن أقوم باعتماد المسار رقم 2، وعندما اقترب من هذا المسار صرخ على الشرطي ومنعني من ذلك وطلب مني التوجه إلى مسار رقم 3، فقلت له إن الوصل يشير إلى أن المسار الذي يجب أن أسير فيه هو مسار رقم 2، فصرخ غاضباً تريد أن تكسر كلامي، وهنا تدخل شخص ثالث وحاول أن يقنعه، دون جدوى، لأكتشف بعد ذلك أن الهدف من ذلك هو أرهاق المواطن بعد أن يصل إلى المعاينة ويتم اكتشاف أنه قد دخل في غير مساره ويتم إعادته إلى المسار المحدد له مع ما يعنيه ذلك من معاناة وهدر وقت، وحل كل هذه المسألة ببساطة كما قال المراجع وعلى ذمته تكون عبر عشرة آلاف ليرة في جيب أحدهم.

بعد الانتهاء من هذه المحطة يقول المراجع انتقلت إلى المحطة الثانية، وهنا المشكلة الأكبر. طابور من المراجعين. عليك أن تأخذ دورك بالصف. وتنتظر لمدة قد تكون ساعة أن نصف ساعة أو أكثر أو أقل، وعندما تصل إلى الموظف الذي " لايكلّف خاطره" وينظر إليك، يأخذ منك الملف، وإما أن يضعه جانباً ويقول لك انتظر دورك، وإما أن يقول لك هذا ليس عندي بل عند موظف آخر لتتكرر المسألة بهذه الطريقة مرّات ومرّات في اليوم ذاته. أما أولئك السماسرة فبإماكنهم أن يمرّروا ملفاتهم من فوق رؤوس المراجيعن ويضعوها بين يدي الموظف الذي يقول لهم : "عشر دقائق وتاع خذه". وهكذا عند كل موظف وأمام كل شبّاك من شبابيك المعاملة.

يضيف المراجع بعد حوالي أكثر من ساعتين من اللف والدوران والبحث والانتقال من شباك إلى شباك، ومن موظف إلى موظف وجدت نفسي ما زلت في مكاني لم أنجز شيئاً، وأني أهدر وقتي، وعلاوة على ذلك أشعر بالتوتر والغضب من هذه الحالة ومن هذا الفلتان والفوضى والسمسرة والسرقة على المكشوف.

مُراجع آخر أقسم يميناً أنه أنهى يوماً كاملاً في المصلحة من أجل أن ينجز معاملة بنفسه ومن دون الاستعانة بأولئك السماسرة ولكنه لم يستطيع أن ينجز تلك المعاملة.

وهنا يأتي السؤال: ماذا يفعل هؤلاء في هذه المؤسسة؟ ولماذا يتواجدون أصلاً في داخلها أو محطيها؟ ولماذا يسمح لهم بإنجاز معاملات للمواطنين؟ وماذا عن أكثر الموظفين الذين يتقاسمون مع أولئك السماسرة ما يتم نهبه من جيوب المواطنين؟ ولماذا يضطر المواطن للاستعانة أصلاً بأولئك لو أن معاملته تسير بشكل صحيح ومن دون تعقيدات من العاملين في تلك المؤسسة وفي غيرها؟ كلها أسئلة ترسم علامات استفهام حول الفساد المستشري في المؤسسات ويدفع ثمنه المواطنون، وتضع كل تلك الأعمال برسم المسؤولين الذين يرفعون اليوم شعار مكافحة الفساد.

ومن هنا تأتي المناشدة لوزيرة الداخلية، ولرئيس مجلس الوزراء، ولرئيس الجمهورية ولكل معني في هذه الدولة، ولكل من يرفع شعار مكافحة الفساد للتدخل لوضع حد لتلك السمسرة والسرقة الموصوفة، وهذا لا يحتاج إلا إلى متابعة مراقبة وجدّية حقيقية فهل نجد آذاناً صاغية؟