أوراق إيرانية.
أيار 12, 2018

بيار عقيقي.

الرسائل المتبادلة في الجولان، بنسب متفاوتة، بين الإيراني والإسرائيلي، لا تلغي حقيقة أكيدة أن كلا الطرفين لن يهاجم الآخر خارج الأرض السورية حتى الآن. الطرفان يسعيان إلى كسب الداخل السوري الميداني، كل إلى جانبه، خصوصاً أن مساحة هذا الحيز تضيق مع الوقت، في حال انتقل الروس، أو حتى الأميركيون، إلى الجنوب السوري والجولان. وبعيداً عن أدبياتٍ من نوع "يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها"، إلا أن الواقع فرض نفسه في هذا السياق. معظم الدول الغربية "أكدت" على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، في مؤشر إلى شبه رغبة جماعية بإخراج إيران من سورية.

وعلى الرغم من أن الإيرانيين ليسوا في هذا الوارد حالياً، وكل تصاريحهم تشي بهذا الأمر، إلا أن مجرد طلب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إقامة حوار "إيراني ـ إسرائيلي"، يفصح عن الكثير. تكشف الدعوة الروسية هذه أن موسكو لم تعد قادرةً على أداء دور الوسيط بين إيران وإسرائيل، وهي بدعوتها تكون قد أقرّت ضمناً بعجزها عن أداء هذا الدور، خصوصاً أن روسيا تدرك أن الإيراني والإسرائيلي ليسا في وارد إقامة حوار مباشر. كما تكشف الدعوة أن روسيا لم تعد قادرة عملياً، لا على إخراج الإيرانيين من سورية، ولا على وقف الغارات الإسرائيلية على القواعد الإيرانية في سورية. دخلت روسيا عملياً المستنقع السوري، حتى أن الشعور بفقدان السيطرة بدأ يلوح في الأفق بالنسبة لموسكو.

أما الأميركيون، فإن التصعيد ملائم حالياً لمسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وهي عملية ستتم من دون غضب فلسطيني داخلي وفقاً لحسابات واشنطن وتل أبيب، وبالتالي تشغيل المنطقة بضجيج أمني يحيد الأنظار عن عملية نقل السفارة. الأميركيون أكثر الناس وضوحاً في المرحلة الحالية. لا يريدون الإيراني، لا في سورية ولا في الاتفاق النووي. يريدون مناطق نفوذ في سورية. يسعون إلى تكريس التفوّق الإسرائيلي في سورية، ويدعمون كل خطوة إسرائيلية في سورية. وما نقل السفارة الأميركية سوى "حبة الكرز" في الدعم الأميركي.

لن تكون المرحلة المقبلة سهلة، سيضغط الإسرائيلي أكثر في اتجاه سحب الإيراني من سورية، مع التعويل على العقوبات الأميركية التي بدأت تُفرض على إيران مجدّداً. يدرك الإيراني أن الأوروبيين غير قادرين على منحه الغطاء اللازم بعد الخروج الأميركي من الاتفاق النووي، فالعبوات الأميركية ستطيح الأوروبي جانباً. أوراق طهران ليست كثيرة، لكنها كافية للمواجهة حتى نهاية عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (2020). بعد ذلك، تُصبح إيران في وضعية أخرى. الوضع الاقتصادي مخيف في الداخل الإيراني، حتى أكثر مما كان قبل عام 2015، تاريخ توقيع الاتفاق النووي. الإيراني الذي احتفل في شوارع طهران بالاتفاق هو نفسه الذي سيبحث عن "كبش محرقة" ليصبّ غضبه عليه، وتجربة التظاهرات ضد النظام الإيراني أواخر العام الماضي توضح ذلك. القومية الإيرانية، أو الفارسية، صلبة تاريخياً، لكن التاريخ تغيّر، وهو ما يدركه المحافظون والإصلاحيون على حدّ سواء. وهو ما يدفع طهران إلى التريّث في الانسحاب من الاتفاق النووي، فأي خطوةٍ غير مدروسة ستجعل النظام في حالة فوضى داخلية.

يمكن لإيران الردّ في اليمن والعراق وسورية ولبنان، لكن الردّ لن يكون مبادرةً هجومية، كما كانت تسعى طهران سابقاً، في سياق التمدّد نحو البحر المتوسط. الحالة الدفاعية عموماً لطهران كانت في طهران نفسها، الآن، سيجعل تعدّد الجبهات من الدفاع المتعدد أمراً صعباً، خصوصاً أن الجبهات المعنية، لبنان، والعراق، واليمن، وسورية، ليست في أفضل حالاتها، وتعاني بدورها من التردّي الاقتصادي. يبقى أمام إيران أن تفعل ما فعله صدام حسين: قصف تل أبيب، فرصة أخيرة في سياق أي فعل هجومي، أو الانكفاء للدفاع استعداداً لوصول الأميركيين إلى طهران، بحسب نيات واشنطن بقيادة دونالد ترامب.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".