افتتاحية القدس العربي.
كانون الأول 05, 2017

صالح ودروس الرقصة الأخيرة مع الثعابين.

قبل مقتله، أمس، كان الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح قد حكم اليمن منذ عام 1978 وحتى 2012، حين أجبرته الانتفاضة الشعبية على التنحي عن موقع الرئاسة، ولكن دون أن يستفيق ضميره على نحو صادق يجعله يتنحى فعلياً، ويسلم أعنة السلطة، ويتقاعد مرة وإلى الأبد عن المهنة التي زعم مراراً أنه أتقنها تماماً، أي حكم اليمن على طريقة مراقصة الثعابين، كما عبّر ذات يوم.

تاريخ صالح، وكما دونته أفعاله ذاتها، هو سيرورة متواصلة من عقد التحالفات، ونقضها، ثم العودة إليها، بغرض نقضها مجدداً. لقد خاض ست حروب مع الحوثيين، بين أعوام 2004 وحتى 2010، ثم انتهت به الحال إلى التحالف معهم بعد مسرحية تنحيه عن السلطة، وفتح مخازن أسلحة الحرس الجمهوري أمام ميليشياتهم، وتمكينهم من اجتياح العاصمة صنعاء. قبل هذا السجل مع الحوثيين، أقام صالح وحدة اندماجية مع اليمن الجنوبي، ليدخل في سلسلة اتفاقات سرية مع شركات نفط عالمية حول ثروات الجنوب، ثم يجرد المؤسسات هناك من صلاحياتها على نحو تدريجي، لينتهي به الأمر إلى خوض حرب أهلية في صيف 1994، آلت إلى انتصاره، والانقلاب على توافقات الحقوق والواجبات التي صنعت الوحدة بين الشمال والجنوب.

وحين تعرض للإصابة إثر هجوم استهدف القصر الرئاسي، وافق على العلاج في السعودية، ثم استجاب للمبادرة الخليجية حول حلّ النزاع الأهلي، ليعود إلى صنعاء فيتحالف مع الحوثيين وينقلب على السعودية. وحين أخذت الرياح تسير مؤخراً بما لا يشتهي، سارع إلى فض الشراكة مع الحوثيين، وعاد إلى مغازلة السعودية والإمارات، عارضاً المساومة مع الجهات ذاتها التي اعتبر أنها تشن العدوان على اليمن. وليس دون مغزى كبير أنه قتل أثناء فراره من العاصمة صنعاء، قاصداً سنحا ومأرب، في مسعى للجوء مجدداً إلى السعودية كما يرجح.

وفي واقعة مقتل صالح ثمة درس كبير أول هو أن حبل الطغيان قصير، مهما امتدت به السنوات والعقود. والرجل الذي سهر طيلة 32 سنة لكي يشيّد نظاماً قائماً على الفساد وشراء الولاءات العائلية والقبلية واللعب على التناقضات وترهيب الداخل والجوار، احتاج إلى طلقة في الرأس كي يغادر مسرح الرقص مع الثعابين إلى حيث لن يستقبله التاريخ إلا في محفل الطغاة والمستبدين. والدرس الثاني يخص الحدود القصوى لأي لهو بمصائر الشعوب، إذ أن صالح يقتل اليوم بعد أن تسبب مباشرة في إراقة دماء الآلاف من اليمنيين، وفي دفع البلد إلى المجاعة والأوبئة والخراب.

ولعل الدرس الثالث هو أن قاتله الحوثي لن يقطف من ثمار فعلته هذه إلا المزيد من احتراب اليمن وتفكيك وحدته الوطنية، حيث لن ينفع سند خارجي ولا أوهام أحلاف أو ولاءات مذهبية. كذلك فإن «التحالف»، الذي أسال لعاب القتيل ودفعه إلى قلب المعطف سريعاً، يتلقى من جانبه نكسة جديدة تضاف إلى سلسلة النكسات التي أعقبت العدوان على اليمن.

وكان صالح آخر حاكم عربي ضمن سلالة شيدت أنظمة استبداد وفساد واعتادت احتكار السلطة عقداً بعد عقد، لكنها عجزت عن إيقاف دورة التاريخ، في أن دولة الظلم ساعة.

المصدر: القدس العربي.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".