الاقتصاد.. التحدي رقم واحد لتركيا الجديدة.
تموز 10, 2018

علي حسين باكير.

احتدم الصراع داخل تركيا خلال العام الماضي بين المعسكر القائل بضرورة المحافظة على النمو الاقتصادي في البلاد كأولويّة، وبين المعسكر القائل بضرورة الالتزام بالانضباط المالي. وقد بلغ هذا الصراع ذروته قبيل الانتخابات التي جرت مؤخراً، حيث يعرف عن رئيس الجمهورية تأييده للاتجاه الأول، فيما يحبّذ الخبراء الاقتصاديون الاتجاه الثاني، ومنهم محمد شمشك، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية سابقاً.

التصريحات التي صدرت في الأيام القليلة الماضية تشير إلى أنّ الصدام بين الاتجاهين سيظلّ قائماً، مع تمسّك رئيس الجمهورية -على ما يبدو- باتجاهه الاقتصادي. ففي مقابلة له مع وكالة الأناضول، قال بينالي يلديريم، رئيس الوزراء السابق، ومرشح حزب العدالة والتنمية حالياً لرئاسة البرلمان، إنّ تخفيض حجم التضخّم في البلاد، وتخفيض أسعار الفائدة، سيكونان في سلّم الأولويات الاقتصادية في البلاد. يلديريم أشار أيضاً إلى أن البلاد ستستمر في اتباع نموذج (BOT) في المشاريع الكبرى، وفي الاعتماد على التمويل الخارجي.

المؤشرات الاقتصادية للبلاد تشير إلى ارتفاع في حجم التضخم تخطى حاجز الـ 15 %، مع ارتفاع في حجم الدين العام، وانخفاض حجم الاحتياطي النقدي إلى ما دون الـ 30 مليار دولار، وذلك في موازاة تراجع قيمة العملة المحليّة، وارتفاع في أسعار الفائدة. بمعنى آخر، الوضع الاقتصادي أصبح معقّداً للغاية، ويحتاج إلى حلول جذرية. ومع أن إزالة حالة الطوارئ، وتحقيق الاستقرار السياسي، وتعيين خبراء اقتصاديين في مناصب رفيعة، يرسل رسائل اطمئنان، ويساعد على تخفيف حدّة المشكلة الاقتصادية، إلا أن هذه الإجراءات لا تكفي، فالمطلوب أكبر من ذلك بكثير. وفي هذا السياق، من غير المعروف كيف من الممكن تخفيض التضخم والفائدة في نفس الوقت، والاعتماد على التمويل الخارجي، كما ذكر يلديريم، في الوقت الذي لم تعد فيه الاستدانة من الخارج رخيصة، كما كان الأمر عليه سابقاً. المشاريع الضخمة التي تمّ طرحها مؤخراً كقناة اسطنبول، والمشاريع النووية (المحطة الثانية والثالثة)، والمشاريع العسكرية الطموحة، كلّها تحتاج إلى تمويل عالٍ وضخم، بالإضافة إلى جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر. أوروبا والولايات المتّحدة لا تزالان المصدر الأكبر للاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا، وبالرغم من أنّ التقارب مع روسيا في العامين الماضين أمّن لأنقرة بعض التسهيلات الاقتصادية، إلا أن ذلك ليس كافياً للمواصلة في نفس النهج، وسيتطلب في جميع الأحوال أن تحافظ تركيا على علاقات جيدة مع هذه الأطراف الثلاث، الأمر الذي سيصبح أكثر صعوبة في المرحلة القادمة مع تصاعد التحديات الإقليمية وتضارب الأجندات إزاء عدد من الملفات، لا سيما الملف النووي الإيراني الذي من المتوقع أن يفرض نفسه مجدداً. مع تصاعد الاشتباك الأميركي - الإيراني، سيكون الجانب التركي مطالباً بأخذ موقف إلى جانب أحد الأطراف، ولأن موقف أنقرة سيكون مهماً إذا ما أرادت واشنطن أن تخنق إيران اقتصادياً، فإن رفضها سياسة إدارة ترمب سيعرّضها من دون شك لضغوطات هائلة، في الحالتين على الجانب التركي أن يتخذ قراراً، ولن يكون ذلك سهلاً في ظل الوضع الاقتصادي الحالي. مجمل القول أن الخيارات السهلة للتعامل مع الوضع الاقتصادي في البلاد لم تعد متاحة، كما كان الأمر عليه سابقاً، وهناك حاجة لحلول جذرية تبعث على الاطمئنان، وتخفف من الضغوط على الداخل التركي كذلك.;

المصدر: العرب القطرية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".