الانتفاضة اللبنانية ونساء خط التَّماس.
كانون الأول 03, 2019

مالك ونوس.

في رمزية لافتة، وفي إطار انتفاضة الشعب اللبناني ضد الطائفية والنظام الطائفي الحاكم، ورفضاً للعنف واستحضار أجواء الحرب الأهلية، تداعت مجموعة من النساء اللبنانيات، في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لعبور خط التَّماس بين منطقة "التباريس" في الأشرفية و"الخندق الغميق"، والذي كان واحداً من خطوط التَّماس بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية خلال الحرب الأهلية. عند اللقاء بين أبناء المنطقتين، بدأ الطرفان بالتراشق بالورود، رداً على التراشق بالكلام والأسلحة البيضاء الذي جرى بين أبنائهن قبل أيام على "جسر الرينغ". وذلك بهدف التأكيد على رفض الطائفية والعنف، وخصوصاً عنف البلطجية الذي واجه فيه أقطاب من أحزاب السلطة المتظاهرين في ساحات اعتصامهم، مستحضرين أجواء الحرب الأهلية التي اندلعت في سبعينيات القرن الماضي.

وجاءت المسيرة بعد مسيرة نسائية سبقتها وخرجت قبلها بأيام من منطقة عين الرمانة باتجاه منطقة الشياح، دعت إليها مجموعة من النساء من أجل "بناء جسر معنويّ بين المنطقتين"، بعد أن شهدت أطراف عين الرمانة، ذات الغالبية المسيحية، هجمات بالحجارة وبالعبارات الطائفية، شنّها شبان من الشياح، ذات الغالبية الشيعية، في ليلة عنيفة ذكرت بأجواء الحرب الأهلية. وبعد أن اخترقت المسيرة منطقة الشياح، كان لافتاً استقبال أهالي المنطقة المسيرة برشّ الأرز من الشرفات على المشاركات فيها حاملاتِ الورود البيضاء، واللواتي دعون أهالي الشياح إلى  مشاركتهن المسيرة، ومشاركة شعاراتهن التي هتفن بها، والرافضة الحرب الأهلية والطائفية والمطالِبة بدولة مدنية.

ربما تريد النساء، عابرات خطوط التماس، دفع النساء في الطرف الآخر إلى أن يكون لهنّ دور في الحراك المطلبي، أو على الأقل تحمّل مسؤولياتهن، وحض أولادهن على التوقف عن الارتهان إلى زعميهم، ووضع مصيرهم بين يديه. ذلك الارتهان الذي أمكن لمسُه، حين أشار زعماء حركة أمل وحزب الله إلى مناصريهم من أجل حمل العصي والهراوات، ومهاجمة المحتجّين المعتصمين في ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء، إضافة إلى الذين كانوا معتصمين على جسر الرينغ، والذين تلقوا الهجوم الأعنف. وأعقب ذلك مهاجمة شارع مونو ومناوشة منطقة عين الرمانة، وتحطيم المحال التجارية والسيارات وغيرها. هؤلاء الشبان، وغالبيتهم من حركة أمل التابعة لرئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، الذين وقفوا متجهِّمين، مشكِّلين سدّاً بشرياً أمام حي "الخندق الغميق"، مانعين بدايةً نساء المناطق ذات الغالبية المسيحية في بيروت من العبور إلى الحي، لإيصال رسالة العيش المشترك والمصير المشترك للنساء المتشحات بالسواد اللواتي أطللن من شرفات منازلهن على المسيرة الاستثنائية وغير المسبوقة.

تأكَّد أن النساء يردن إيصال رسالة مفادُها بأنه "مهما حصل، لن نرضى بسكب نقطة دم من دماء أبنائنا" الذين يُراد لهم أن يصبحوا وقوداً لحروب الزعماء ونزاعاتهم. وواضحٌ أن غريزة الأمومة لدى عدد كبير من هؤلاء النسوة قد التقطت الشرور التي تبدَّت في اللحظة الحرجة من الحراك المطلبي، شرور الفتنة الطائفية التي تعرف السلطة أن لا شيء سواها يمكنه وأد هذا الحراك. لقد عرفن أن أي فتنة من هذا القبيل ستكون عاقبتها دفع أبنائهن إلى الهجرة، وإرسال من تبقى منهم إلى القبر. وكانت الدموع التي ذرفتها النساء من أهالي المنطقتين، وهنَّ يتعانقن ويهتفن: "لا للحرب الأهلية، كلنا وحدة وطنية"، كفيلة بأن تردم الهوة النفسية بين نساء المنطقتين، وأن تطفئ النيران التي كانت على وشك الاشتعال خلال الإشكال الأمني بين أنصار  "حركة أمل وحزب الله من جهة، وأنصار القوات اللبنانية، من جهة أخرى، على أطراف منطقة عين الرمانة.

والغريب أن حزب الله وحزب القوات اللبنانية، اللذين حصل الإشكال بين أنصارهما على أطراف عين الرمانة، يتشاركان السلطة، وهما اللذان يعدّان من أركانها؛ إذ يتساكنان في الحكومة، ويتشاركان في النقابات السلطوية التي اعتادا على التحالف مراراً خلال خوض الانتخابات للفوز بعضوية مجالسها أو رئاستها بوجه مرشحّين معارضين، من اليسار أو غيره. كما اعتادا على التحالف في الانتخابات البرلمانية في مناطق عدة، ولعل تحالفهما الانتخابي للانتخابات البرلمانية بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل، رفيق الحريري، سنة 2005، أن يكون اللغز الذي لا يمكن فهمه في تآلف هذين القطبين، المتضادين شكلاً المتفقين مضموناً، على الحكم وسياسة البلاد سياسةٍ تدعم تكريس الزعامات وحكم الطوائف.

وكما في هذه التحرّكات، جعل اللبنانيون لكل تحركاتهم رمزيةً تطال جانباً من معاناتهم؛ إذ أطلقوا على مواقع التواصل الاجتماعي ما سمّوه "أحد التمزيق" الذي يتلخَّص بالنزول إلى الشوارع، وتمزيق صور الزعماء. وهي رمزيةٌ تدل على تعمقهم في رفض الزعامات الطائفية التي لا يتجرأ أحدٌ من أبناء الطوائف على المسّ بها، بسبب القدسية والهالة التي يحاول الزعيم الطائفي إحاطة نفسه بها، متعالياً، قدر إمكانه، عن أبناء طائفته. وجاءت الدعوة إلى "أحد  "التمزيق" بعد توقيف الأجهزة الأمنية خمسة فتيانٍ بينهم ثلاثة قاصرين، في إثر تمزيقهم لافتةً تعود للتيار الوطني، الحزب الذي ينتمي له الرئيس ميشيل عون. وأحدث توقيف الفتيان ضجةً في البلاد، وأثارت غضب اللبنانيين اللذين تحدّثوا عن بلادهم الذي هزَّ عرشها ولدٌ في الثانية عشرة من عمره، واستنتجوا أنه لولا فساد القائمين على هذه الدولة لما انتقموا من أولادٍ في مقتبل عمرهم.

من بين اللواتي شاركنَ في المسيرات، وفي اللقاء المشترك على هامشها على خطوط التماس، نساءٌ شاركن في مسيراتٍ للمرة الأولى. كما أن من بين المنظمات للمسيرة ناشطاتٌ في الحراك، برزن فيه منذ اليوم الأول لانطلاقه، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وفي هذه الجزئية، يشير مضمونٌ واضحٌ إلى أن تحرّكاً مطلبياً، وانتفاضةً في وجه السلطة الطائفية، لن تتكلَّل بالنجاح وتكفل إحقاق الحقوق، إلا إذا شارك فيها الجميع. وعلى النساء المتحسّسات خطورة أي شائبة طائفية تُهدِّد هذا الحراك، يقوم الدور الكبير في منع انتشارها ومنع حصدها أرواح أبنائهن.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".