التركيز على حكومة وفاق وطني، واستبعاد فكرة حكومة الأكثرية.
أيار 17, 2018

عامر مشموشي.

 صدق من قال بأن المشهد السياسي ما قبل الانتخابات سيكون عكسه تماماً ما بعد الانتخابات، فالسقوف العالية التي سادت خلال التحضير للمنازلة سقطت الواحدة تلو الاخرى وحل مكانها الخطاب الهادئ والكلام المقرب، والخطاب التحريضي بأشكاله المختلفة أصبح في عالم النسيان ليحل محله كلام الانفتاح على الحوار الهادئ، ومد اليد للتلاقي في منتصف الطريق، والسبب ان الكل عينهم على السلطة ودخول جنة الحكم لحصد المكاسب وتقاسم الغنائم أو ما تُبقى منها.

وحركة اللقاءات والاتصالات التي تمت فور الانتهاء من المعركة الانتخابية تؤكد ذلك وتُشير إلى رغبة لدى أهل الحكم في طي صفحة الانتخابات، بكل مآثرها ومآسيها وفتح قنوات التواصل. فبعيد خطاب أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله المنفتح على الآخرين من باب التعاون الإيجابي للإسراع في تشكّيل حكومة جامعة تحصن لبنان في وجه الرياح العاتية التي تهب على المنطقة جاء لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي، بأجوائه الممتازة ليضفي على المشهد السياسي العام فسحة التلاقي بين حركة أمل والتيار الوطني الحر بعدما بعدت بينهما ظروف المعركة الانتخابية، وفتح صفحة جديدة من التعاون، بدءاً باستحقاق انتخاب رئيس لمجلس النواب ونائبه وهيئة المكتب وانتهاء بالاستحقاق الحكومي لاستكمال إعادة هيكلة الدولة.

وإذا كان هذا اللقاء «الممتاز» بين الرئيسين عون وبري شكل نقطة ارتكاز للمرحلة القادمة، فقد سبقه لقاء مماثل، بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة سعد الحريري فتح بدوره الباب لاطلاق عجلة التكليف والتأليف بكل ما يستلزمها من تسهيلات من هنا وتنازلات من هناك بحيث تصبح «التوليفة» الحكومية ناجزة في أسرع وقت ممكن.

ومن الواضح أن لقاءات الرؤساء الثلاثة، شجعت على توسيع دائرة اللقاءات بين القوى التي تشظت العلاقات فيما بينها بسبب التنافس الانتخابي، أو لأسباب سياسية أخرى. فكانت زيارة رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع إلى بيت الوسط بعد انقطاع وتبادل رسائل حادّة اللهجة تؤسس لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، تصب في خدمة الرغبة المشتركة في التعاون داخل الحكومة أو خارجها.

الأوساط السياسية تترقب مزيداً من لقاءات «رأب الصدع» بين القوى السياسية لتعبيد أرضية المرحلة المقبلة بمقتضياتها واستحقاقاتها وموجباتها، وإذا كان اجتماع بعبدا ضيّق الهوّة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر من جهة، وحسر من جهة ثانية موجه غياب الكيمياء التي ارتفعت بينهما خلال الحملة الانتخابية وإذا كان لقاء بيت الوسط بدّد التباسات شابت علاقة المستقبل والقوات ابان وبعد مرحلة استقالة الحريري الشهيرة، فإن أبرز ما تتوقعه هذه الأوساط خطوة منتظرة قبل بدء الاستشارات الرسمية للتكليف بين بيت الوسط وكليمنصو إثر تشنج تمتد جذوره إلى البقاع الغربي وشبعا والشويفات بحادثتها وما أعقبها من مواقف.

وفي هذا المجال، لم تشأ أوساط الحزب التقدمي الاشتراكي التوقف عند توقعات الأوساط السياسية، وأكدت ان الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع رغم التأزم، وقالت أن بعض التطورات في تيّار المستقبل التي لا نتدخل فيها من قريب أو بعيد تهيىء لظروف أفضل وتوحي بإمكان التعاون، مثنية على بادرة الرئيس الحريري سحب تغريدته التي تناولت رئيس الحزب وليد جنبلاط معتبرة انه كان لها الوقع  الايجابي في كليمنصو.

وما  تتوقعه الاوساط السياسية من إمكانية لإعادة التواصل بين بيت الوسط وكليمنصو، كأن يقوم جنبلاط بخطوة مماثلة للخطوة التي قام رئيس حزب القوات اللبنانية لتبديد سوء التفاهم الحاصل وفتح صفحة جديدة من التعاون من شأنها ان تمهد الطريق أمام الحريري لإنجاز التشكيلة الحكومية بأسرع مما هو متوقع، لا تستبعده بالنسبة إلى رئيس الجمهورية الذي تمر علاقاته مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ببعض «البرودة» بعد المواقف التي اطلقها الوزير جبران باسيل خلال حملته الانتخابية من عرين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي  وحملت، كما اعتبرها الحزب التقدمي الاشتراكي، مدلولات استفزازية، موجهة إلى جنبلاط شخصياً.

ان كل هذه التطورات التي فرضت نفسها على المشهد السياسي بعد الانتخابات، تؤشر حسب الأوساط السياسية إلى أمر أساسي هو أن الفرقاء الاساسيين سلموا بالمحافظة على التسوية التي انتجت رئيس جمهورية ومن ثم حكومة وفاق وطني، وانهم ملتزمون بالعمل تحت سقف هذه التسوية، ولو اضطرهم الأمر إلى تقديم تنازلات لتسهيل مهمة الرئيس الحريري الذي بات تكليفه شبه مؤكد وتمكينه من تشكيل حكومة وفاق وطني تضم معظم المكونات ان لم يكن كلها وتعمل وفق بيان وزاري متفق على مضمونه مسبقاً، مستفيدين من المواقف الإيجابية التي أطلقها أمين عام حزب الله على هذا الصعيد كذلك من الأجواء الإيجابية السائدة بعد موجة الحملات الانتخابية، والتي تدل على تمسكه بالتسوية التي اسست للعهد الجديد، ورفضه أي تغيير في قواعدها لأن من شأن مثل هذا التغيير خربطة التوازنات المحلية وتعقيد المشهد السياسي فيما المطلوب مناخات هادئة تساعد على الإنتاج وعلى الإصلاح الذي يعطيه الأمين العام الأولوية على ما عداه، خصوصاً في هذه الظروف حيث عيون الخارج مصوبة نحو لبنان.

لكن ما تخشى الأوساط السياسية حصوله هو ان يكون الرئيس عون جادا في طرح مسألة تشكيل حكومة من الأكثرية، لأن من شأن هذا الطرح في حال أصرّ عليه ان يخربط التوازنات الداخلية، ويعقد المشهد السياسي بما يطيح بآمال العهد في ان يحقق أهدافه في الإصلاح والتغيير.

المصدر: اللواء.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".