الرئيس المكلف يختار الطريق الأطول لإنجاز التشكيل الحكومي.
حزيران 07, 2018

عامر مشموشي.

  منذ تكليفه بتشكيل الحكومة، حافظ الرئيس سعد الحريري على تفاؤله بإنجاز عملية التشكيل ضمن المهلة المعقولة، وتعزو الأوساط السياسية المتابعة هذا التفاؤل للرئيس المكلف إلى عدّة معطيات توافرت في جعبته، قبل التكليف وبعد المشاورات التي أجراها مع الكتل النيابية، اولها حرص هذه الكتل على ضرورة إنجاز التشكيلة الحكومية في أسرع وقت ممكن لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية الكثيرة وإعرابها عن رغبتها في تسهيل مهمة الرئيس المكلف والذي ترجمته عملياً بتجنب وضع الشروط والشروط المضادة التي تؤثر على سير مفاوضات التأليف، والالتزام بلعبة توزيع الحصص حسب الاحجام التي أفرزتها نتائج الانتخابات النيابية، وتلك لعبة مألوفة في لبنان لأنها محكومة بطبيعة التركيبة السياسية المتنوعة داخل مجلس النواب.

وثانيها تفهم كل القوى السياسية لدقة المرحلة التي يمر بها لبنان، سواء على صعيد التزاماته الدولية التي تستوجب قيام حكومة وفاق وطني لا تستثني أي أحد منها سوى الذين يصرّون على البقاء خارجها، تكون قادرة على استعادة الثقة الدولية بلبنان بحيث يلتزم بتعهداته لهذا المجتمع في كل ما يتعلق بالاصلاحات البنيوية للدولة لكي تستجيب لمتطلبات المجتمع الدولي التي وضعها شرطاً اساسياً للاستجابة له وتوفير الدعم المالي المطلوب لإخراجه من أزماته الاقتصادية والمالية المتعثرة نتيجة استحكام خلافاته الداخلية وتعطيل مؤسساته مُـدّة طويلة من الزمن.

اما ثالث هذه الأسباب التي حفزت الرئيس المكلف على التفاؤل، ما لمسه من استعداد رئيسي الجمهورية ومجلس النواب للتعاون معه من أجل تذليل كل العقبات التي تعترض عملية التأليف.

كل هذه العناصر مجتمعة المتوافرة امام الرئيس المكلف جعلته متفائلا بإمكان الخروج من مأزق التأليف خلال مهلة معقولة لا تتعدّى الشهر، إذا ما سارت الأمور بشكلها الحالي أو الشهرين في حال برزت على خط التأليف عقبات جديدة تتمحور حول الاحجام والحصص وتوزيع الحقائب، كمثل ما هو حاصل حالياً بين «التيار الوطني الحر» الذي ما زال يُصرّ رئيسه الوزير جبران باسيل على الاستئثار بغالبية حصة المسيحيين، باعتبار ان تكتله النيابي هو الأكبر عدداً بالإضافة إلى حصة رئيس الجمهورية التي يتمسك بها وبين «القوات اللبنانية» أو «كتلة الجمهورية القوية» التي ترى، استناداً إلى ما أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة، ان من حقها ان تتقاسم مع «التيار الوطني الحر» حصة المسيحيين في الحكومة العتيدة، تماماً كما هو حال الثنائي الشيعي الذي يتقاسم بالتساوي حصة الطائفة الشيعية في أية حكومة تشكّل.

وتعتبر الأوساط السياسية ان «القوات» تنطلق في هذا الشرط من موقع القوي لا الضعيف، استناداً إلى اعتبار أساسي هو ان الرئيس المكلف لا يوافق تحت أي ظرف، ولاسباب داخلية وخارجية، على إقصاء «القوات اللبنانية» عن حكومته العتيدة بالرغم من حرصه على المحافظة على تحالفه مع رئيس الجمهورية و«التيار الوطني الحر».

ويبدو، حسب الأوساط، ان هذه العقدة أصبحت قابلة للحل بعدما تفهم رئيس الجمهورية ورئيس «التيار الوطني الحر» الأمر، وغيّبا عن المشهد السياسي العام الكلام العالي النبرة ضد مطالبة «القوات اللبنانية» بتقاسم حصة المسيحيين في الحكومة العتيدة مع «التيار الوطني الحر».

وإذا كانت العقدة القواتية أخذت طريقها إلى الحل فلا تزال هناك عقدة كأداء تحمل الرئيس المكلف على التريث في وضع الطبخة الحكومية على نار حامية، وهي إصرار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط على استئثار كتلة اللقاء الديمقراطي بكامل حصة الدروز في الحكومة العتيدة، استناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي استأثر فيها التقدمي بالنواب الدروز السبعة، ما عدا النائب طلال أرسلان الذي تعمّد الحزب أن يترك له مقعده في الشوف وعاليه شاغراً.

وكما هو حال الرئيس المكلف مع «القوات اللبنانية» هي نفسها مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، فكما انه لا يمكن أن يسير في حكومة بدون «القوات»، كذلك الأمر لا يسير في حكومة، وللاسباب نفسها، من دون اللقاء الديمقرطي.

وإذ تؤكد الأوساط السياسية نفسها ان الرئيس المكلف يُدرك وجوب التعاطي مع التشكيل بسرعة، لكن من دون تسرّع، كون التحديات الرابضة للحكومة على المفرق الدولي كثيرة وكبيرة، تُشير إلى انه ليس في وارد إضاعة الوقت، بيد أن تشييد البناء الحكومي على أرض ملتهبة بالاحتقان السياسي من شأنه أن يعرقل المسار ويعقده فتتأخر الولادة الحكومية أكثر مما تؤخرها مساحة تبريد الأرض.

 المصدر: اللواء.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".