الفلسطينيون الحاضرون قبل النكبة.. وبعدها.
أيار 15, 2018

ماجد الشيخ.

منذ أكثر من سبعين عاماً، وعصابات الإرهاب الصهيونية، ومن ورثها من مؤسسات احتلالية جرت بلورتها في منتصف العام 1948، على شكل "دولة"، والحركة الصهيونية تسعى، بالقوة والعنف والإكراه، إلى إخضاع أصحاب الأرض وسلبها ومصادرتها، وإقامة استيطان احتلالي، لم يوفر لا الحجر ولا الشجر ولا البشر بالطبع، وقد شرّعت في كامل مؤسساتها السياسية والعسكرية والقانونية قوانين جرمية عديدة، من قبيل قانوني "الأرض الموات" و"أملاك الغائبين" وغيرها من قوانين احتلالية، استمرت تعمل تهجيراً وتشريداً، ولا تزال تعمل وفق قوانين وأنظمة طوارئ موروثة من عهد الانتداب البريطاني، ومما شرّعته الحركة الصهيونية من قوانين، ساعدتها في احتلال الأرض وسلبها من أصحابها الشرعيين، وطردهم وإبعادهم عنها، إلى حد اعتبار مواطني النقب غزاة أرضهم، ومواطني مدينة القدس محتلين لها.

وفي وقت يستمر "تسريب" الأرض؛ سرقتها والاستيلاء عليها بالقوة وبالقوانين الاحتلالية، تحت أنظار القيادات الفلسطينية والعربية والعالم، خصوصا في مدينة القدس التي تتعرّض اليوم لأبشع هجوم كولونيالي أميركي – إسرائيلي، في ظل صمت المجتمع الدولي، وتواطئه وعجزه عن حماية حقوق الفلسطينيين في مدينتهم وفي وطنهم، وعلى أرض آبائهم وأجدادهم، يفتقد هؤلاء إلى أي قوة سياسية تقف معهم لتدافع عن حقوقهم وممتلكاتهم، حتى من السلطة الفلسطينية، وهي تتركهم مجرّدين من حقهم السياسي والسيادي والقانوني، في مواجهة إجرام الاحتلال ومستوطنيه وكيانه الاستعماري وداعميه الغربيين.

وجد هذا الوضع المسكوت عنه، عربياً وحتى فلسطينياً، صداه لدى صحيفة هآرتس الإسرائيلية في أحد تحقيقاتها (11/3/2018)، حين وجهت انتقادات للمنظمات اليهودية اليمينية التي تواصل حملاتها ضد العائلات الفلسطينية في القدس المحتلة. حيث تقف منظمات استيطانية تملك المال الوفير، ولديها اتصالات داخل المؤسسات الحكومية، وطاقم محامين مخضرم. بينما وفي المقابل، يقف فلسطينيون يفتقرون إلى الوسائل، وليست لديهم قوة سياسية، وكل محاولة منهم للاحتجاج كانت تواجه بقبضة حديدية من الشرطة وقوات الاحتلال.

مثل هذه المعركة، وفي إطار المعارك التي دارت منذ بداية النكبة، مع نظام يميز ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الذين اعتبروا "غائبين"، قدّمت "هآرتس" مثلا ساطعاً، بل صافعاً، حين ذكرت أنه يمكن، وقد أمكن، لليهود فقط المطالبة بأملاكهم التي هجروها بسبب حرب 1948، بينما يستمر اعتبار الفلسطينيين وحدهم "غائبين". وحملت على تعيين المدعو حنانئيل غورفينكل، مدير الوحدة الاقتصادية التابعة لحارس الأملاك العام، مسؤولا عن ملف القدس الشرقية… واعتبرته تعيينا "مشوهاً وغير قانوني". وكتبت الصحيفة أن غورفينكل هذا عضو مركز حزب "البيت اليهودي"، وقد أسس في فترة عمله لدى حارس الأملاك العام، جمعية تطالب بمعالجة ما يسميه "استيلاء عناصر أجنبية على أراضي الدولة". وسبق أن دعا علنا إلى محاربة ما سمّاه "الاحتلال العربي" في القدس. وكان قد أبدى حماسًا كبيرًا لمساعدة جمعيات المستوطنين ضد العائلات الفلسطينية، واستغل منصبه في ترويج أجندة سياسية تدعم المنظمات المتطرّفة التي تقيم مستوطنات معزولة داخل الأحياء الفلسطينية في المدينة.

ومع اجتماع كل تلك العوامل التي تسهم في مزيد من اضطراب المنطقة وتوتيرها، وفي تلاقي قرارات الإدارة الأميركية وتساوقها وانحيازها الكامل لممارسات الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي ودعمه في مواجهة قضية الشعب الفلسطيني الوطنية، تمكن الإشارة إلى ما سمّيت "تقديرات استراتيجية" لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الاحتلال (أمان)، بشأن قرب نهاية "عقد الهدوء النسبي" في الضفة الغربية أيضاً، سواء بفعل الأوضاع الاقتصادية المتردّية في القطاع، أم بفعل احتدام التوتر بين السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية وبين الشعب الفلسطيني، ما يحمل في طياته، بحسب المعلق الإسرائيلي أليكس فيشمان، مخاطر انفجار مزدوج للغضب الشعبي الفلسطيني ضد السلطة الفلسطينية، وضد قوات الاحتلال في حال اندلاع موجات ومسيرات عودة جماهيرية، قد يتجه بعضها أيضاً إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خصوصا في غياب الأفق السياسي للحل، وفي ضوء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، في ذكرى النكبة الفلسطينية في الرابع عشر من مايو/ أيار الجاري.

بالتوازي، وقبل أيام من يوم الأرض هذا العام، ومع الذكرى السبعين للنكبة، أقدم الكنيست الاسرائيلي على المصادقة بأغلبية أصوات الائتلاف الحكومي، على صيغة "قانون القومية اليهودية"، تمهيدًا لطرحه للقراءة الأولى في الهيئة العامة للكنيست، في أول أيام بدء دورته الصيفية في الأول من مايو/ أيار الجاري، حين تصدّى نواب القائمة المشتركة (النواب العرب) للبنود العنصرية المقترحة في القانون، محذّرين من مواصلة المسّ بحقوق المواطنين العرب الفلسطينيين ومكانتهم في وطنهم، ومن استمرار الهجوم عليهم كجزء من الحملة الانتخابية لنتنياهو.

وأكد عضو لجنة الدستور البرلمانية، النائب يوسف جبارين، وجود ممارسة التمييز العنصري الكامن في القانون ضد المواطنين العرب، وأن القانون يعزّز الطابع اليهودي الديني للدولة، والفوقية القومية اليهودية فيها، تلبية لأطروحات الأحزاب اليمينية في الحكومة. على أن هذا القانون يعكس مخططات حكومة نتنياهو، ليس فقط على صعيد العلاقة مع المواطنين العرب (فلسطينيي العام 1948)، بل ايضًا مع الشعب الفلسطيني عمومًا، من خلال التنكّر لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وقد ذهب القانون إلى حد تعريف إسرائيل أنها "الدولة القومية للشعب اليهودي"، بينما منح حق تقرير المصير حصريا لما سماه "الشعب اليهودي"، وذلك من دون تعريف حدود إسرائيل. وأشار إلى أن حكومة نتنياهو التي تشرّع هذا القانون ترفض فكرة إقامة دولة فلسطينية، وتطرح مشروع "أرض إسرائيل الكبرى"، ما يؤكد أن حدود إسرائيل، بحسب "قانون القومية" ليست حدود ما قبل 67، بل إن "الحق الحصري بتقرير المصير للشعب اليهودي" يشمل كل أراضي فلسطين التاريخية التي تعتبرها اليوم حكومة نتنياهو، كما الحكومات الإسرائيلية التي تعاقبت على الحكم منذ 1948 "أرض إسرائيل التوراتية"؛ حتى القدس بشرقها وغربها تدخل ضمن هذا التعريف، وبشهادة يمين إنجيلي صهيوني، بات يحكم اليوم الولايات المتحدة.

لهذا من الخطأ، إن لم نقل من الخطيئة، استمرار مواجهة إسرائيل الكولونيالية بالنيات الطيبة والاعتقادات الخاطئة، فالمؤمنون بما تسمى "أرض إسرائيل الكبرى" لن يكون في مقدورهم لا في المنظور الاستراتيجي، ولا في المنظور الأيديولوجي، السماح بعودة اسم فلسطين إلى أي قسم من الأرض الفلسطينية، وهي التي أضحت في عرفهم "أرض إسرائيل الكبرى"، ما يحتم فلسطينيا وعربيا نقلة نوعية في الصراع، تبرز برنامجا كفاحيا، يؤكد على ضرورة استعادة كينونة الوطن الفلسطيني أرضا وشعبا، وليس الاكتفاء بما تسمى "دولة مؤقتة"، أو دويلة "حكم ذاتي"، أو دولة حدود العام 1967 التي نخرها الاستيطان والتنسيق الأمني والمصالح الزبائنية الخاصة، في ظل استمرار الاحتلال غير المقنّع، وتلك كولونيالية صريحة، مهما قيل ويقال عكس ذلك لدى من يسعون إلى مفاوضاتٍ عدمية، لم تجلب سوى الكوارث وتهديدات الحرب أو الحروب المتواصلة، وتكريس أمر واقع احتلالي، في واقعٍ بات يفتقد لمضامين الكفاح التحرّري، وحداثة الإبداع الكفاحي، وروح التحدّي، وعقل المجابهة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".