المشهد الإيراني عن بُعد.
أيلول 10, 2019

عيسى الشعيبي.

ليس هنا من يزعم أن لديه رؤية واضحة لماهية الصورة الإيرانية، المظللة ذاتياً عن سابق قصد وتعمّد، ولا هناك من يدّعي أن عنده معرفة كافية عما يجري في فناء بيتٍ محاطٍ بجدار شاهق، قليلاً ما تُفتح أبوابه الموصدة، ونادراً ما تتسّرب من داخله حكاية عن راوٍ سمع بنفسه، أو شاهد رأى بأم عينه، إلا أن كل هذا التعتيم لا يمنع القيام بمقاربة ما لجلاء المشهد الغامض، وتكوين صورةٍ تقريبية معقولة، ليس عن عالمٍ مغلقٍ لن تحيط به مقالة، وإنما عن مكونات المشهد الإيراني الراهن الذي يُظهر غير ما يُبطن.

وأحسب أن مثل هذه الرؤية الملتبسة حقاً قائمة لدى الأعداء والخصوم، وربما لدى مريدي الجمهورية الإسلامية أيضاً، ناهيك عن أن ما يرشح من معلوماتٍ مسرّبة قصداً، ومنسّقة جيداً مع المنابر الإعلامية الموالية، موظفة كلياً لخدمة غاياتٍ دعائية، يقع في قلب القلب منها هدف تسويق صورةٍ انطباعيةٍ مثيرةٍ للإعجاب، عن بأس بلد لم تلن له قناة، ولم تنَل منه العقوبات، مدجّج بالصواريخ والأسلحة من كل جنس، قادر على رد الصاع صاعيْن، وتلقين المتربصين به دروساً قاسية، بما في ذلك الدولة العظمى الوحيدة التي بدت مستخذية عندما جرى إسقاط فخر طائراتها التجسسية.

وهكذا، في ظل انعدام المصادر الإخبارية المستقلة، والافتقار الشديد للمعلومات الإيرانية ذات المصداقية، ومحدودية الثقة بالبيانات الرسمية المفلترة، ليس في وسع المراقب، والحالة هذه، سوى الاعتماد، بتحفظ، على تقارير صادرة عن مراجع استخبارية غربية متفرّقة، والاتكال على مواد أخرى منشورةٍ على مواقع إعلامية للمعارضة الإيرانية، من أجل تكوين صورةٍ تقريبيةٍ، ملامسةٍ لعالم الحقيقة الموضوعية ما أمكن، وخالية، في الوقت ذاته، من لغة التهويل المفرط، وحشو المبالغات الكلامية المعهودة.

على أن هناك الآن مصادر جديدة يُعتد بها في هذه الآونة المفعمة بالوقائع والمؤشرات الكافية للقيام بهذه المقاربة الشاقّة، أي رسم صورة إيرانية راهنة بتجرّد وحيادية، تطابق الواقع المتغير كل يوم، منذ أن شدّدت أميركا الحصار النفطي والاقتصادي والمصرفي على البر الإيراني، واتّبعت بفظاظةٍ سياسة أقصى الضغوط القصوى، لجلب طهران مكرهةً إلى مائدة التفاوض من دون شروط مسبقة، حيث صار في المستطاع قراءة الوضع الإيراني المبهم للرائي عن بعد، على نحوٍ أيسر من ذي قبل، وتشخيص بواطنه على نحو أدقّ من أي وقتٍ مضى، لا سيما من خلال ردود فعل قادة الحرس الثوري على الإجراءات العقابية الأميركية.

سنضع جانباً المعطيات المتاحة عن حالة الفقر والتضخم والبطالة، وانهيار العملة، ومغزى دعوة المواطنين مراراً إلى الصبر والتجلّد، وانحباس الموارد المالية عن وكلاء طهران في الإقليم، وغير ذلك الكثير من المظاهر الدالّة على أن الأمور ليست كما تسوّق في الإعلام. كما أننا سنضرب صفحاً عن معنى عدم الرد على قصف التموضعات العسكرية في سورية والعراق ولبنان، وعن التكتّم على هجوم السايبر الأميركي الساحق على قاعدة البيانات الحربية الإيرانية في يونيو/ حزيران الماضي، وعن الصمت المطبق إزاء تباهي الرئيس ترامب بإفشال إطلاق القمر الصناعي أخيرا، كي نركز الضوء كله على مشهدٍ واحدٍ، كاشفٍ بحد ذاته.

وسط هذا الفيض من التلاعب بالمشهد الحقيقي، يُقدّم مسار ناقلة النفط الإيرانية الهائمة على وجهها في البحر الأبيض المتوسط، منذ نحو ثلاثة أشهر، صورةً بانوراميةً عريضةً عما هي عليه الحالة الإيرانية في هذه الآونة، حيث غيّرت الناقلة علمها وبدّلت اسمها، بعد أن شطبتها بنما من سجلاتها، ورفعت رايةً تدل على هويتها الأصلية، إلا أن الموانئ التي توجهت نحوها في اليونان وتركيا ولبنان ظلت ترفض استقبالها، فبدت وكأنها كائنٌ مصابٌ بالجذام يُحظر الاقتراب منه، الأمر الذي يحكي لنا الكثير عن ماهية الصورة الداخلية الإيرانية.

وإذا كان لمشهد الناقلة الإيرانية هذه أن يعكس، من جهة أولى، مدى سطوة واشنطن البالغة، ويبرهن بالملموس على حقيقة أن الحرب الاقتصادية الجارية على قدم وساق ناجعة للغاية، وتُؤتي أكلها من دون إراقة نقطة دم واحدة، فإنه يعكس بالمقابل ظلال صورة إيرانية مترهّلة ومفكّكة، تتدثر بسياسة الفم الكبير، لتغطية حقيقةٍ عارية، وهي أن الدولة الهائجة المائجة نمرٌ من ورق ليس إلا.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".