الوجه الإيجابي لانفجار مرفأ بيروت.
آب 13, 2020

د. وائل نجم.

على الرغم من مئات الضحايا وآلاف الجرحى وعشرات آلاف المشردين الذين سقطوا في انفجار أو تفجير مرفأ بيروت؛ وعلى الرغم من حجم الدمار الهائل الذي خلّفه الانفجار سواء في المرفأ الذي تدمّر بشكل شبه كامل، أو في محيطه حيث تحوّل المحيط إلى خرابة كاملة؛ وعلى الرغم من تفاقم حجم الأزمة الاقتصادية المعيشية بسبب هذا الزلزال، غير أنّ هناك وجهاً إيجابياً لهذا الانفجار لا يمكن إلاّ أن ينظر إليه المرء ويراه.

لعلّ الوجه الإيجابي الأول هو ما كشفه الانفجار من حجم الفساد والإهمال الذي يعبث بالدولة اللبنانية ويتحكم بها وبإداراتها غير عابىء بما يمكن أن يخلّفه من كوارث، وقد رأينا حجم الكارثة ومعها حجم الفساد والإهمال وباعتراف أركان الدولة الذين ما زالوا إلى الآن يتقاذفون الاتهامات بالمسؤولية أو أنّهم يتهرّبون من المسؤولية، وقد عبّر عن ذلك أفضل تعبير رئيس الحكومة المستقيل، مع كونه يتحمّل جزءاً من المسؤولية، عندما أشار إلى أنّ الطبقة السياسية الفاسدة تتحكم بكل شيء وهي أقوى من الدولة وتستعصي على الإصلاح والتغيير. لقد ثبت ذلك بالفعل، وهذا ما كان ليحصل بهذه الطريقة لولا الانفجار الكارثة، ولكن هذا يحتاج إلى حلّ، إذ لا يمكن أن يستمرّ الوضع على هذه الحالة في ظل حالة الفساد القائمة والإهمال المستشرية.

ولعلّ الوجه الإيجابي الثاني الذي لا يقلّ أهمية عن الأول هو في حجم التضامن والتعاطف الداخلي المحلي، والعربي الإقليمي الدولي. فمنذ اللحظة الأولى للانفجار، وبعد أن انقشع الغبار وبات بالإمكان القيام بأعمال الإغاثة ورفض الأنقاض والدمار من الشوارع والأبنية، شاركت المجموعات الشبابية والأندية الرياضية والجمعيات الأهلية والكشفية والطلاب وغيرهم، وبشكل طوعي، شاركوا جميعاً في رفع الأنقاض والبحث عن ناجين وتنظيف الشوراع والأزقة ومداخل الأبنية، وترتيب الحدائق، وما إلى ذلك من أعمال تتصل أولاً بالإنقاض، وثانياً بإحصاء الأضرار، وثالثاً بتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.

لقد قامت الأطقم الطبية والصحيّة بالنزول إلى الشارع وموقع الانفجار ومحيطه وعملت إلى إسعاف المصابين ونقل الجرحى وإحصاء الضحايا وتضميد جراح الجرحى. وفي موازاة ذلك كان رجال الأطفاء والدفاع المدني وشباب من جميعات كشفية يعملون على إخماد النيران. كان كل ذلك يتمّ بشكل طوعي ودونما انتظار لمقابل من أحد.

كما وأن أعمال الإغاثة وتقديم الطرود الغذائية وأعمال الترميم السريعة بدأت بشكل سريع، وشارك بذلك جمعيات أهلية ومؤسسات مدنية والأهالي العاديون الذين راحوا يتبرعون بما يملكون مع ضيق ذات اليد، ويعرضون بيوتهم ومنازلهم لاستضافة المتضررين من أبناء العاصمة. وكل ذلك من الوجوه الإيجابية للانفجار التي انكشفت وأظهرت أنّ اللبنانيين يقفون عملياً إلى جانب بعضهم دون تفريق أو تقسيم.

وأمّا على المستوى الخارجي فقد أظهرت الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم وكذلك العديد من الحكومات مستوى عالياً من التضامن، فتمّ إرسال الطائرات المزوّدة بالمواد الطبية والصحية والإسعافية، والأطعمة والطحين وغيرها من المستلزمات التي يحتاجها اللبنانيون في هذا الوقت الحرج. وكان بعضهم سبّاقاً بحيث لم ينتظر لانقشاع غبار الانفجار، بل سارع على الفور بإرسال المواد العينية والفرق الطبية والإسعافية والمتخصصة برفع الأنقاض، وكانت قطر وتركيا وفرنسا سبّاقة في هذا المجال، إذا أرسلت قطر بعيد ساعات على الانفجار طائرات محمّلة بعيادات طبية متنقلة فضلاً عن أطقم من الأطباء والمسعفين وخبراء في رفع الأنقاض. وكذلك فعلت تركيا التي لم تنتظر أيضاً بل حوّلت أسطولاً من الطائرات المحمّلة بالأدوية والمعدات الطبية والطرود الغذائية إلى بيروت، وشارك فريق متخصص في رفع الأنقاض في البحث عن ناجين في انفجار المرفأ، وما زال هذا الفريق من بين الفرق الكثيرة التي وصلت الوحيد الذي يعمل على إيجاد ناجين أو العثور على مفقودين. ولحقت بهم فرنسا أيضاً عندما أرسلت فريقاً من المتخصصين بالبحث وأرسلت أيضاً مساعدات سريعة. وهذا طبعاً لا ينقص من دور الدول والشعوب الأخرى في التضامن والمساعدة التي أتت لاحقاً، وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المملكة المغربية تعد من أكثر الدول التي قدّمت مساعدات للشعب اللبناني كما غيرها من الدول.

كما وأنّ من الوجوه الإيجابية للانفجار أن تجدّ التضامن والتعهد بإعادة إعمار ما تهدّم، فهذه تركيا يتعهد نائب الرئيس التركي، فؤاد أوكتاي، أثناء زيارة بيروت للتضامن، يتعهد أمام المسؤولين اللبنانيين بإعادة إعمار مرفأ بيروت أفضل مما كان، مع أنّ بعض الخبراء يقدّرون كلفة إعادة إعمار المرفأ بحوالي سبعمئة مليون دولار. كما وضع أوكتاي مرفأ مرسين على البحر المتوسط بتصرف الدولة اللبنانية. وهذه فرنسا تعقد مؤتمراً لتوفير الدعم للشعب اللبناني وأهالي بيروت وقد تعهد المشاركون فيه بجمع قرابة 300 مليون دولار. وهكذا يظهر الوجه الإيجابي الذي لا يمكن أن يتجاهله المرء على الرغم من قساوة المشهد وحجم الكارثة.