بين التعبئة العامة وحالة الطوارىء!
آذار 26, 2020

د. وائل نجم.

نهاية الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة خلال اجتماع استنثائي إعلان التعبئة العامة لمكافحة انتشار "فيروس كورونا" بعد أن بات يهدّد بانتشار واسع في لبنان، وتضمّن إعلان التعبئة إقفال المؤسسات التربوية والجامعات والإدارة والشركات وألخ .. باستثناء الصيدليات والمحلات التي تبيع المواد الغذائية ومحطات المحروقات والمطاعم التي تقدّم خدمة "الديلفيري"، وبقاء الناس في منازلهم، وطالبت القوى الأمنية والعسكرية بالتشدد في تنفيذ وتطيبق حالة التعبئة.

كان المطلوب من هذه الحالة الحدّ من التجمعات واللقاءات والتواصل المباشر بين الناس حتى لا يشكّل ذلك مادة تسهّل انتشار الفيروس، وقد تفاوت التجاوب والالتزام بهذه الحالة بين منطقة وأخرى، وبين يوم وآخر، ولم يُلحظ أنّ تطبيقها حدّ بشكل فاعل من الإصابة بالفيروس أو انتشاره، فعداد الإصابات يسجّل كل يوم مزيداً من المصابين في أغلب المناطق.

أمام هذه المشهد الذي بات يؤرّق الجميع، وينذر بدخول البلد حالة الكارثة بعد أن انتقل من حالة الاحتواء إلى حالة الانتشار، بدأت تتعالى أصوات كثيرة تنادي بإعلان حالة الطوارىء في البلد كخيار للحدّ من انتشار الفيروس، إلاّ أنّ ذلك اصطدم برفض غير معروف حتى الساعة من أية جهة أتى، لأنّ الجميع، وهنا نقصد السياسيين والقوى السياسية يصرّح بالدعوة إلى اتخاذ الإجراءات المطلوبة كافة من أجل مكافحة الوباء، إلاّ أنّ المسألة عند التنفيذ تصطدم برفض أو تهيّب من الإقدام على الخطوة، وهو ما يفتح المجال لطرح سؤال عمّا إذا كانت بعض القوى السياسية تخشى من تحوّل هذه الحالة (الطوارىء) إلى ما يشبه الانقلاب على النظام الديمقراطي البرلماني، أو ربما مقدمة لتغيير القواعد المعمول بها في البلد.

وللتذكير فإنّ الدستور اللبناني أعطى في الفقرة الخامسة من المادة 65 منه الحق للحكومة بإعلان حالة الطوارىء في البلاد، ثم حصر المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر عن الرئيس شارل حلو في 5 آب 1967، إعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية في جميع الأراضي اللبناني أو جزء منها "عند تعرض البلاد لخطر داهم ناتج عن حرب خارجية أو ثورة مسلحة أو أعمال أو اضطرابات تهدد النظام العام والأمن أو عند وقوع أحداث تأخذ طابع الكارثة".

وعليه فإنّ إعلان حالة الطوارىء من الناحية الدستورية منظّمٌ وواضحٌ لناحية الأسباب والكيفيات، فهو يمنح القيادات العسكرية والأمنية سلطات واسعة على المستويين التشريعي والتنفيذي وحتى القضائي تحت عنوان المحافظة على الأمن، بما في ذلك فرض التكاليف العسكرية بطريق المصادرة التي تشمل الأشخاص والحيوانات والأشياء والممتلكات، وتحرّي المنازل في الليل والنهار، وفرض الغرامات الإجمالية والجماعية، وإبعاد المشبوهين، وفرض الإقامة الجبرية، ومنع الاجتماعات المخلّة بالأمن، ومنع تجوّل الأشخاص والسيارات في الأماكن وفي الأوقات التي تُحدد بموجب قرار، ومنع النشرات المخلة بالأمن واتخاذ التدابير اللازمة لفرض الرقابة على الصحف والمطبوعات والنشرات المختلفة والإذاعات والتلفزيون والأفلام السينمائية والمسرحيات وغير ذلك. وهي في حقيقتها سلطة مطلقة للقيادت العسكرية والأمنية، وبما يعني تسلّم هذه القيادات دفة الحكم في البلد.

غير أنّ أوساط في البلد بدأت تتخوّف من الوصول إلى إعلان هذه الحالة على اعتبار أنّها تنقل السلطة من المؤسسات المنتخبة إلى مؤسسات معيّنة، أو بصورة أخرى تعني التحوّل عن النظام الديقمراطي البرلماني إلى ما يشبه النظام المطلق الصلاحية، وترى هذه الأوساط أنّ البلد لم يصل بعد إلى أية حالة من الحالات التي حدّدها المرسوم الإشتراعي، فهو ليس في حالة حرب مع عدو خارجي، ولا الوضع الصحي وصل حتى اليوم إلى حالة الكارثة، وبالتالي ترى هذه الأوساط أنه لا حاجة حتى اليوم إلى إعلان حالة الطوارىء، بل المطلوب هو تشدّد القوى الأمنية والعسكرية والشرطية في تنفيذ وتطبيق قرارات مجلس الوزراء لناحية التعبئة العامة وعزل الناس في منازلهم.

والحقيقة أنّه من حق أي طرف أن يبدي قلقاً من حالة الطوارىء، خاصة في ظل ما عانته دول الجوار الإقليمي على مدى عقود من عيشها حالات الطوارىء تحت عنوان مواجهة العدو.

كما وأنّ البعض له حسابات سياسية وغير سياسية تجاه إعلان هذه الحالة، خاصة وأنّ هذا البعض يعتبر نفسه مستهدفاً بأكثر من طريقة ووسيلة ومن أكثر من طرف داخلي وخارجي، وبالتالي فهو يبدي قلقاً وخشية من الوصول إلى إعلان حالة طوارىء في البلد تجعل الأمور تنقلب رأساً على عقب أو تدخل البلد في دوّامة جديدة من الأزمات.

بالإضافة إلى هذين الطرفين هناك طرف ثالث ينادي بحالة طوارىء صحيّة اجتماعية لمكفاحة الوباء، وهذا الطرف يفضّل تفعيل الإجراءات التي تحمي البلد من انتشار الفيروس، ولكنه لا يريد أن يتم العبث بالنظام الديمقراطي البرلماني والحريات، وهو ما يجب على السلطة اليوم أن تعمل من أجل تحقيقه على قاعدة مواجهة الأزمة دون خسارة البلد.