جمال خاشقجي والأوغاد.
تشرين الأول 11, 2018

بشير البكر.

أخبر جمال خاشقجي أصدقاء له في لندن أنه سيتوجه إلى إسطنبول، من أجل إتمام إجراءات الزواج من خطيبته التركية، وكشف لهم أنه سيمر على القنصلية السعودية في إسطنبول من أجل المصادقة على الأوراق الخاصة بالزواج. وحين أبدى بعض الأصدقاء تخوفاً من الخطوة، أسرّ لهم أنه على اتصال بالسفير السعودي في واشنطن، خالد بن سلمان، الشقيق الصغير لولي العهد، وزاره في السفارة عدة مرات، ما منحه شعوراً بعدم الخوف.

يبدو أن عملية استقبال السفير في واشنطن خاشقجي ملعوبة، وهدفها خلق طمأنينة لدى الكاتب والصحافي المعارض المعتدل بأن ولي العهد السعودي يستوعب الخلاف في الرأي الذي يعبّر عنه خاشقجي في مقالاته في صحيفة واشنطن بوست، وخصوصاً انتقاد حملة الاعتقالات للناشطين وأصحاب الرأي الآخر التي بدأت قبل عام، في الوقت الذي اختار خاشقجي مغادرة السعودية على نحو طوعي إلى الولايات المتحدة، وحصل هناك على إقامة مؤقتة.

هناك إجماعٌ في أوساط قريبة من خاشقجي أنه تعرّض لعملية غدر، وأن ذهابه إلى القنصلية بناءً على موعد مسبق عملية استدراج مدروسة ومحبوكة جيداً، وتحديداً في جانبها الأمني، إلى حد أن الرجل اختفى، ولم تسعف كل الوسائل في التقاط رأس الخيط الذي يقود إليه، وباتت الأوساط، منذ مساء الثلاثاء قبل الماضي، تقلب سيناريوهاتٍ مختلفة، كان أكثرها احتمالاً تخدير خاشقجي، وتهريبه بوسيلة ما إلى السعودية، وظل أصحاب هذا السيناريو ينتظرون ظهوره في الرياض بين لحظة وأخرى.

كانت فئة قليلة ترى أن عدم خروج خاشقجي من القنصلية من الباب الذي دخل منه ضمن الأجل يعني أنه دخل ولن يعود، ورأى أصحاب هذا السيناريو أن خاشقجي قُتل، في لحظة دخوله القنصلية، وارتفعت حظوظ هذا السيناريو ليل السبت، حين كشفت مصادر أمنية تركية لوكالة أنباء الأناضول إن 15 سعودياً، بينهم مسؤولون، وصلوا إلى إسطنبول على متن طائرتين، ووجدوا في القنصلية السعودية بالتزامن مع وجود خاشقجي فيها.

رجّحت عملية القتل بعد الحديث الصحافي الذي أدلى به محمد بن سلمان إلى وكالة بلومبيرغ مساء الجمعة، حيث أنكر أي صلةٍ للسلطات السعودية، وأبدى استعداد بلاده فتح باب القنصلية للتفتيش، وهذا ما حصل بعد ظهر السبت لفرق صحافية. وبدا بن سلمان يتحدّث من موقع الواثق من نفسه، وهذا يعني أن العملية جرت بحرفية عالية. وما كان ليجزم لو أن خاشقجي على قيد الحياة.

صار واضحاً أن العملية حصلت بمهنيةٍ عالية، وأن الفريق السعودي أنجز عمله بسرعة، واستطاع أن يغادر إسطنبول خلال ساعات عن طريق القاهرة، من دون أن يثير حتى الشبهة لدى السلطات التركية، وهذا يعني أن العملية مدروسة بعناية منذ وقت طويل، وليست وليدة قرار آني، كما أنها تمت بطلبٍ من أعلى المستويات، أي الديوان الملكي السعودي حسب رواية صحيفة نيويورك تايمز، وهذا يضع ولي العهد ومساعديه المباشرين محل مساءلةٍ أمام الجهات الدولية المعنية، ومنها محكمة الجنايات الدولية التي يجب أن تبادر إلى تشكيل محكمةٍ دوليةٍ على غرار المحكمة الخاصة برئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري.

متابعة قضية خاشقجي مسؤولية دولية، ويجب أن تتحرّك من أجلها نقابات الصحافيين الدولية وهيئات حقوق الإنسان، لأن عدم تقديم الجناة إلى العدالة الدولية لا يعني فقط عدم حماية الصحافة وأصحاب الرأي، وإنما السكوت وغضّ الطرف عن الجرائم وترك المجرمين يفرضون قانون القوة، ويصادرون حق الآخرين بالتعبير عن طريق الرصاص.

وفي كل الأحوال، تضع عملية خاشقجي تركيا أمام موقفٍ صعب، يتمثل في انتهاك السعودية سيادتها، وتنفيذ عملية إرهاب موصوفة، مع سبق الإصرار على أراضيها، وهذا يحمّلها مسؤولية أخلاقية وسياسية وأمنية.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".