روسيا في الفخ.
أيلول 14, 2018

ميشيل كيلو.

لم تتمكّن روسيا من أن تكرّر في إدلب ما سبق لها أن فعلته في مناطق في سورية كانت قد انفكّت عن السلطة الأسدية. لم يسمح العالم لموسكو بتكرار ما تغاضى عنه أو وافق عليه في حالاتٍ أخرى، ولذلك تجد موسكو نفسها معزولةً في مواجهة الأمم المتحدة وأوروبا وأميركا، والحدود الحقيقية لقوتها التي بدت مطلقةً، في ظل موافقة الغرب على انفلاتها العسكري ضد شعب سورية، عندما كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يهتز في مشيته ذات اليمين وذات الشمال، مختالا بطائراته التي تقصف وتقتل السوريين من دون تمييز، بينما تزفّ خطبه إلى شعب روسيا أخبارا سارّة عن زيادة مبيعات سلاحه، وعن قدراته التدميرية التي تعوّضهم عن بؤسهم بزهو قومجي، يدمّر إنسانيتهم.

يقترب هذا الزمن البوتيني من نهايته، وها هي الأوقات السهلة التي كان يستخدم خلالها سلاحه بغطاء أميركي وصمت أوروبي، ويتباهى بإرغام السوريين على العودة إلى بيت الطاعة الأسدي، تبدأ بالزوال، تاركةً مكانها لزمنٍ آخر، ظهر فيه منذ إدلب عجز قدراته السياسية وقوته العسكرية عن فرض حل سوري، بمفرده أو بالتعاون مع إيران وتركيا، يحدّد هو حصته وأنصبة الآخرين فيه، وخصوصا منهم واشنطن التي توهّم جهلة كثيرون أنها انسحبت حقا من الوطن العربي والشرق الأوسط، وتركتهما مرغمةً لروسيا، على الرغم من أنهما المنطقة الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية في العالم التي يقول استراتيجيو البيت الأبيض إن سيطرة أميركا على المجال الأوروبي/ الآسيوي تتوقف على السيطرة عليها.

مضى الوقت السهل، وقت الحرب التي حدّد بوتين نهايتها آخر عامنا هذا، وجاء الوقت الصعب، وقت السلام، الحافل بخطوط حمراء لن يتمكّن هو، أو جيشه، من القفز عن استحالاتها التي لن ينجح في تخطّيها بما لديه من قدراتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وحربية، منها أن الحل في سورية دولي، طرفه الآخر ليس المعارضة التي أرهقتها الضربات الجوية وألاعيب الهدن والمصالحات، بل القوتان الأميركية والأوروبية، وأن إيران تتحول تدريجيا إلى عبء ثقيل، لن تتمكّن روسيا من حمله، لأنه سيعرّضها لخسارة استراتيجية، إن وقفت إلى جانبها في معركة الغرب البادئة ضدها، تضاف إلى ما شرع يقع من خلافاتٍ في علاقاتها مع تركيا، بسبب إدلب، وأن بقاء الأسد والنظام السوري لن يكون قرارا روسيا، بينما ستواجه موسكو مشكلاتٍ أنتجتها مشاركة جيشها بتدمير سورية وتهجير شعبها، منها إعادة إعمارها وإرجاع مواطنيها إلى ديارهم، كمشكلتين تتحدّيان اقتصاد روسيا المتهاوي الذي قد يعيد بوتين من عالم الأوهام إلى الواقع، خصوصا بعد أن ينكشف عجزه عن حماية طهران، ويتأكّد أن إنقاذ بشار الأسد ونظامه سيحول دون سيطرته على سورية التي تلذّذ بكلمات الإعلان عنها، وهو في حميميم، بينما كان "الثيد الرئيث" يعامل كمنبوذ محدود السيادة في بلادٍ يفترض أنه رئيسها، لن يسمح شعبها لموسكو باستعماره، سواء لنصف قرن، كما قال بوتين منتشيا، أو لفترة غير محدّدة، كما قال المنبوذ الممنوع من اللحاق بصاحبه في حميميم: بشار الأسد.

راح الزمن السهل، زمن قتل شعب أعزل وتدمير عمرانه، وجاء زمن الانكشاف في مواجهة أقوياء العالم وأثريائه، زمن رد موسكو إلى حجمها الحقيقي الذي لن يبقى بعده لبوتين، العاجز اليوم عن اقتحام إدلب، غير طي ذيله بين ساقيه من الآن فصاعداً، والقبول بوضع روسيا دولةً لن يسمح لها بتأسيس امبراطورية، كان يخال أن إقامته ممكنة انطلاقا من سورية، وها هو أمام الفخّ الذي سيقنعه بأن ما خاله انتصارا على سورية لم يكن غير وهم فادح الثمن.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".