سعد الحريري: المحكمة أو السياسة.
أيلول 12, 2018

منير الربيع.

ماذا في امكان الرئيس سعد الحريري أن يفعل؟ اختصر في موقفه بعد حضوره افتتاحية جلسات المرافعات النهائية في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حقيقة ما يشعر به. اعتبر أنه يوم صعب في تاريخ لبنان. الصعوبة هي أن الاشارات توجه إلى  جهة سياسية ترى المحكمة أنها مسؤولة عن اغتيال والده. والأصعب وفق مفهومه، أنه مضطر إلى التسوية مع تلك الجهة والمشاركة معها في الحكم، "لأن الأهم هو حماية الاستقرار"، ولأن من استشهد، كانت غايته حماية لبنان لا خرابه. صعوبة موقف سعد الحريري حقيقية وواقعية، بعيداً من أي مزايدة. على الرغم من إلقاء كثير من اللوم عليه، لتعاطيه بواقعية، أو لقبوله الجلوس مع حزب الله إلى طاولة مجلس الوزراء وغيرها.

يعرف سعد الحريري أن لبنان بلد محكوم بالتفاهم. هو حاول انتهاج سياسة المواجهة والعزل والالغاء، أو تكسير الروس في مرحلة ما بعد اغتيال والده. لكنه اصطدم بعوامل كثيرة، بالواقعية، بموازين القوى، بالحيوية السياسية لدى خصومه، بالتوازنات الاقليمية والدولية. وسار في طريق التصعيد لسنوات مديدة آلت إلى خسارته الحكم والسلطة والدور السياسي، وأحالته إلى منفى طوعي، بعد عملية إخراجه من السراي الكبير بإقالة حكومته بالثلث زائد واحد.

من رحم تجربة السنوات العشر، خرج سعداً حريرياً جديداً، يتعاطى السياسة بواقعية، يرفض المساومة على دم أبيه، لكن القدر مؤلم، والواقع أكثر مرارة. يتعرّض لحملة مزاديات هائلة في موقفه، فإذا ما استمرّ في تصلّبه خسر، وإذا ما ساوم وتشارك اتهم بالخيانة وبيع دم والده. يحاول مراراً إيجاد منزلة بين الاثنتين، لكن الزمن قاسٍ، والسياسة لا ترحم. أفضل ما لديه، هو الحد من الخسائر والحفاظ على ما تبقى من إرث لاستدامة الدور السياسي. وهذا يقتضي تنازلاً. قد يقول الحريري في سرّه، إن لبنان لا يحكم بغير التوافق، ولا يمكن إلغاء أي طرف فيه، والمشاركة تقتضي المصارحة والمصالحة، وهذا واجب في السياسة، أو أحد أقسى فروضها. يقول إن حزب الله قتل والده، أو متهم بارز في عملية القتل، لكنه مجبر على المشاركة معه. هذا الاعتراف وحده، أو اليقين لديه بالحدّ الأدنى، هو فاتحة العلاقة مع الحزب.

ما يمر به الحريري اليوم، عانى منه وليد جنبلاط في العام 1977. بعد أربعين يوماً على اغتيال كمال جنبلاط، اختار وليد جنبلاط الذهاب إلى دمشق. جلس في حضرة متخذ القرار بتصفية والده. وصافح أحد المسؤولين المباشرين عن التخطيط للعملية. وقادت الزيارة إلى تحالف مديد بين وليد جنبلاط وغريمه. نبع قرار وليد جنبلاط يومها من قراءة واقعية لموازين القوى. قراءة لم تخرج من التاريخ والجغرافيا السياسية. فتجرّع كأس المرارة. وسعد الحريري وقف قبل سنوات في لاهاي معلناً استعداده للتجرّع من الكأس نفسها.

ليس سهلاً ما يعيشه سعد الحريري. فهو بلا شك أمام خيارين، إما استمرار المعاندة والمواجهة مع حزب الله، والمضي في الطلاق السياسي، وهذا سينتج عزلاً سياسياً له كما حصل بين العامين 2010 و2016؛ أو أن يتخذ موقفاً مبدئياً منسجماً مع حاله بعدم التعاطي مع المتهمين بقتل والده. وهذا يقود إلى إنسحابه من الحياة السياسية، أو استمراره بالعمل السياسي وفق مقتضيات هذا العمل. وهذا يعني أنه مضطر إلى التطبيع مع المتهم، كما قد يضطر لاحقاً إلى التطبيع مع النظام السوري، الذي قد يكون له اليد الطولى في عملية الاغتيال والقرار السياسي.

المصدر: المدن الالكترونية.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".