سورية بين خيارين.
آب 10, 2019

ميشيل كيلو.

هناك خيار أول لحل المسألة الكردية، جانبه الأول الطرف غير الرسمي من السياسة السورية، والثاني الكرد السوريون من مختلف الأطياف السياسية والحزبية. هذا الخيار الذي ينضوي في الخيار الوطني الديمقراطي الأشمل هو خيار الثورة، وبه يرتبط مصير السوريين جميعهم، بغض النظر عن قومياتهم أو إثنياتهم أو تنظيماتهم، وسواء كانوا من أنصار الثورة أو خصومها. في هذا الخيار، لا حل للقضية الكردية، بما لأصحابها من حقوق مشروعة، أفرادا وقوما، خارج الإطار السوري: الحواري والتوافقي، الذي تمليه أسس يفترض أنها مشتركة، أو يجب أن تصير مشتركة، بين من يعتبرون أنفسهم ديمقراطيين سوريين، عربا كانوا أو كردا، فإن هم توافقوا على هذه الأسس، وقبلوا الالتزام بالنواظم والمعايير التي تتخطى الانتماء القومي، ويمكن انطلاقا منها إجراء حوار أخوي بين طرفين يجمعهما هدف وطني ديمقراطي، يوفق بين تطلعاتهما وحقوقهما المشروعة والإطار الحاضن لهذه الحقوق: أعني الدولة والمجتمع الديمقراطيين الموحدين اللذين يسمحان بثلم شكوك المتحاورين وتحفظاتهم، وببلورة حل تعلن بنوده على الملأ، يسمي حقوق الأفراد والقوميات من دون لبس أو غموض، ويحدّد التزاماتهم حيال بلوغ النظام الذي يكفل حقا المواطنة المتساوية لكل سوري، بغض النظر عن قوميته، والحقوق القومية للكرد وغيرهم بصفتهم حالاتٍ خاصة تثري الوطنية السورية، يعني تجاهلها فشل السوريين في إقامة نظام ديمقراطي يلبي تطلعاتهم بشكل يسمح لهم بالعيش في نظام مدني توافقي، من شأنه تعزيز وحدتهم ومحو ما كان يفرقهم إلى الأمس القريب. بالنسبة للسوريين، ليست المسألة الكردية قضية أمن قومي تحل بغير الحوار، أو بالعنف، بل هي قضيةٌ يفضي استخدام العنف من أي طرف من أطرافها إلى تدمير الكيان الوطني السوري الجامع، وتدمير مكوناته، بما فيها العرب والكرد.

هناك خيار آخر، تركي، يرى الكرد وقضيتهم بعين أمن تركيا القومي، ويعتقد المدافعون عنه أن هناك مشروعا إقليميا يستهدف نقل المشكلة الكردية إلى داخل مجال تركيا الوطني، لتكفيكه وفصل جنوبه عنه. هذا المشروع مركزه، في رأي أصحاب هذا الخيار، سورية، وبالتحديد شمالها المتاخم لحدود تركية الجنوبية. لذلك، لا بد أن يتم التصدّي بالقوة العسكرية لخطره حيث هو: داخل سورية.

هذان المشروعان متناقضان، أحدهما حواري سلمي، يقر بحقوق الكرد الفردية والقومية في وطنهم، ويرى في أي مشروع إقليمي لحل المسألة الكردية أمرا مقحما على الكرد، من المهم والضروري تحاشيه عبر حل ديمقراطي يلبي مصالح السوريين جميعهم، بقدم المساواة وفي إطار العدالة. أما المشروع الثاني فهو أمني، يضمر جانبا حربيا، ويقوم إلى اليوم على استحالة إيجاد حل توافقي للمسألة الكردية، لاعتقاد أربابه أنها محلولة في تركيا نفسها، وإن ما يفعله المؤيدون من كرد سورية لحزب الاتحاد الديمقراطي (الـ بي يي دي) يقوّض علاقة الكرد الأتراك بدولتهم، فلا مفر من التصدّي لهم، وإلا انتقلت مشكلتهم إلى تركيا. وبالفعل، كان العالم قبل أيام على مشارف صراع عسكري تركي كردي مرعب، تم تحاشي انفجاره في آخر لحظة، بعد تبادل تهديدات تركية/ أميركية.

ليس من مصلحة سورية، عربا وكردا، تبني وجهة نظر تركيا حول كردها، أو حول المسألة الكردية عموما. لذلك، يجب أن يبقى السوريون بعيدين عن الجهد العسكري التركي ومشاريعه. ومن الخطورة بمكان بالنسبة للخيار الديمقراطي ألا يبادر ممثلوهم إلى فتح حوار فوري، جدّي وعميق، مع كرد شعبهم، لتدارك ما فات من تقصير في هذا الصدد، وأن يدور حوارهم حول نمط الدولة الذي يريدونه لوطنهم، والتزاماتهم المشتركة والمتكاملة حيال إقامته، كي لا يحرثوا في البحر، ويمدّوا يد العون لتركيا!

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".