سورية.. حل كيميائي.
نيسان 13, 2018

بشير البكر.

يتطور الموقف في سورية من سيّئ إلى أسوأ في كل يوم، ولم يبق توصيفٌ في قواميس الخراب إلا وتم إطلاقه على هذه الأرض التي حملت من المعاني الإنسانية ما جعل البلدان الأخرى تغار منها، وتنظر إليها بعيون الحسد.

سورية اليوم بلد ملعون في لسان السياسة، ومكان يثير الرعب لدى الرأي العام الذي تصل إليه منذ سبعة أعوام أخبار المجازر والتهجير الديموغرافي وصورهما على شكل موجاتٍ اكتسحت العالم، ولم يحل دونها بحر أو برد أو جوع.

هرب السوريون من القتل، ومات كثيرون منهم على طرق النجاة، لكن ذلك لم يمنع آخرين من عبور الدروب نفسها، غير مكترثين بما ينتظرهم من أهوال في البر والبحر. منذ الأيام الأولى للثورة، لجأ النظام إلى القتل سلاحاً من أجل أن يحسم الموقف لصالحه. ولكن حين لم يتمكّن من إعادة الناس إلى بيت الطاعة زاد في منسوب القتل، وصار ينوّع في الأساليب والأشكال، مستنداً إلى دعم إيران وروسيا. الأولى أمدته بالرجال والمال، والثانية وفرت له كل ما ينقصه، بالإضافة إلى مظلة دولية، وحمته من المساءلة القانونية إلى حد أنها مارست حق النقض (الفيتو) 12 مرة في مجلس الأمن الدولي، لتحول دون إصدار قراراتٍ ما كانت لتوقف عمليات القتال في جميع الأحوال.

مرة واحدة خاف النظام، حين تلقى تهديداً أميركياً بضربة عسكرية بعد استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية في نهاية أغسطس/ آب على 2013. في ذلك الوقت، بلغ خوف النظام حداً قبل فيه التخلي عن ترسانته من الأسلحة الكيميائية بالكامل، وقايضها بتراجع الولايات المتحدة عن توجيه الضربة، وهذا ما حصل فعلاً، ولعب الروس في حينها دور الضامن للنظام أمام المجتمع الدولي، وتعهدوا في حينه أن يسلم النظام كل ما في حوزته من أسلحة محرّمة دولياً. ولم ينفع ذلك في شيء، لأن المجرم ظل مصمماً على ارتكاب الجريمة تلو الأخرى، وبالتالي لم يدم التزام النظام طويلاً، حيث استمر يستخدم الأسلحة الكيميائية بجرعاتٍ أقل وبنوعيات مختلفة. وكانت عملية خان شيخون في العام الماضي محطة رئيسية دفعت الإدارة الأميركية الجديدة إلى توجيه ضربة شبه تحذيرية لقاعدة الشعيرات العسكرية، تركت مفعولاً رادعاً على الرغم من محدودية تأثيرها.

لا يستطيع النظام أن يستخدم السلاح الكيميائي إلا بعلم الروس الذين باتوا يعرفون أدق التفاصيل والأسرار في محيط النظام منذ عام 2015، ولو لم يكن الروس راضين على هذه الأفعال المشينة التي تشكل جرائم صريحة ضد الإنسانية، لما امتلك الأسد الجرأة للتصرّف بمفرده، وتجلى التبني الروسي لجرائم الأسد من خلال التغطية عليها دولياً، والدفاع عنها في مجلس الأمن الدولي.

الغريب هو الصمت العالمي على استهتار روسيا والنظام السوري، وهو ما جعل النظام يتمادى في القتل، حتى صار حال السوريين عصياً على الوصف، وسورية أصبحت تقارن بالجحيم. ولو أن الأطراف الدولية أبدت جدّية في حماية المدنيين، لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم، خصوصاً أن الدول الكبرى التي تمتلك الإمكانات اللازمة لردعه كانت قادرةً على تدمير بقية مخزونه من الأسلحة الكيميائية.

يتحرّك العالم اليوم ضد جرائم الأسد، وهناك بداية موقف دولي لمعاقبة النظام بسبب الجريمة الجديدة التي اقترفها في الغوطة يوم السبت الماضي، ولكن الرهان الفعلي أن يتطوّر الموقف إلى تشكيل جبهة لإجبار روسيا وإيران على إيقاف المجزرة نهائياً، وإذا استطاعت الولايات المتحدة الضغط على روسيا من أجل الجلوس على طاولة المفاوضات، فسيكون ذلك أول محاولةٍ جديةٍ من أجل إيجاد حل لسورية، وغير ذلك سوف يستمر النظام بالقتل من دون عقاب.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".