كورونا يسحق الفقراء.
أيار 22, 2020

جمانة فرحات.

لن يترك فيروس كورونا دورة الحياة الطبيعية تعود إلى طبيعتها قبل أشهر طويلة، لا أحد قادراً على تنبؤ مدتها في الوقت الراهن. تأثيرات الفيروس الطبية الأساسية باتت معروفة، وإن كان لا يزال يحمل كل يوم تطوراً مفاجئاً بقدرته على التحول، ما يعقد من مهمة إيجاد لقاح له. أما تداعياته الاقتصادية فتزداد ثقلاً. لم تُترك إلا قلة في منأى عنها، ويمكن وصفها، حتى الآن، بـ"الفئة الناجية". كل يوم يستمر فيه تباطؤ الدورة الاقتصادية تزداد فيه الخسائر قصيرة ومتوسطة المدى. وإذا كانت قطاعاتٌ محدّدة قادرة على التكيف مرحلياً مع الأزمة والتداعيات وابتكار أدوات وأساليب لضمان استمراريتها، فإن قطاعات كاملة أخرى مهدّدة اليوم بالإفلاس والانهيار. ويدفع المواطنون، في مختلف البلدان، ثمناً باهظاً إما بخسارة وظائفهم، أو بتقليص رواتبهم.

في دول معدودة، كانت حزم المساعدات والتحفيز الاقتصادية سريعة، حتى أنه كان يمكن الاستماع إلى شهادات مواطنين يتحدثون إن أحوالهم تحسنت في زمن كورونا. تجميد للضرائب، تخفيض في كلفة الخدمات الأساسية، وإعانات مالية شهرية وتعويضات عن الخسائر في الأعمال. ولكن هذا المشهد الوردي لا ينطبق إلا على بلدان تعد على أصابع اليد الواحدة. هناك مشهد أكثر قتامةً في البلدان الأكثر هشاشة. دول أنهكها الفقر والعوز وغير قادرة على مواجهة الجائحة، حتى إن رغبت، وأخرى لا تضع أحوال مواطنيها في اعتبارها. مستعدّة لسحب اللقمة من أفواههم أو التضحية بهم. الخصم من رواتب العاملين في القطاع العام في الحالة المصرية، التستر في اليمن على المستوى الحقيقي لانتشار الفيروس، واعتماد مناعة القطيع من دون التجرؤ على الإعلان رسمياً عن ذلك، أمثلة تشير بوضوح إلى حجم الكارثة في إدارة أزمة بهذا المستوى.

في المحصلة، يمكن القول إن لكورونا طرقاً مختلفة في سحق الناس، تحديداً الفقراء. من لا يهدّده الوباء بالموت بسبب السياسات الحكومية الخاطئة والتمييزية التي تحرم الأشد هشاشة وعوزاً من الرعاية الطبية، ستطحنه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. يعيد الوباء عقارب الزمن إلى الوراء على صعد عدة. كل التقدّم في جهود محاربة الفقر أصبح حديثاً من الماضي. تقديرات الأمم المتحدة تتحدث عن قرابة "500 مليون شخص سيضافون إلى براثن الفقر، وهي أول زيادة منذ ثلاثة عقود". منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) حذرت من أنه "قد يموت ستة آلاف طفل إضافي دون سن الخامسة كل يوم، أي أكثر من أربعة أطفال كل دقيقة، بسبب التأثيرات المباشرة لكوفيد - 19". كما أن نحو 117 مليون طفل في العالم معرّضون لخطر الإصابة بالحصبة جراء تقليص برامج التطعيم في العالم بسبب الجائحة. ما يعني أن أرقام الضحايا سترتفع، أخذاً بعين الاعتبار أنه في العام 2018، تم تسجيل 140 ألف حالة وفاة بسبب الحصبة، وذلك في وقت كانت مبادرات التطعيم تعمل بشكل طبيعي. وفوق ذلك كله، هناك حوالى 10 ملايين طفل دون الخامسة، وحوالى 4.5 ملايين طفل دون الخامسة عشرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باتوا معرّضين لخطر عدم الحصول على لقاحات.

تشير هذه المعطيات بوضوح إلى حجم المخاطر، واضعة خطة التنمية المستدامة لعام 2030 في مهب الريح، إذ أن ثمانية أهداف من أصل 17 هدفاً للمنظمة (ما نسبته 47%) أصبحت مهدّدة على نحو مباشر: القضاء على الفقر، القضاء على الجوع التام، الصحة الجيدة والرفاه، التعليم الجيد، المساواة بين الجنسين، العمل اللائق ونمو الاقتصاد، الحد من أوجه عدم المساواة، المياه النظيفة والنظافة الصحية. وهي أهداف كان يُفترض أن يستفيد منها الأشد فقراً ومعاناة. لكنهم اليوم مضطرّون لتحمّل التكلفة الأكبر صحياً واقتصادياً واجتماعياً لتداعيات الوباء.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".