في المشهد الليبي
أيار 07, 2022

معن البياري

لا يستثير الحال في ليبيا انجذابا لمتابعة مستجدّاته، بالنظر إلى فرط تقليديّته، فالانقسام الحادث حاليا هناك، بين حكومتين، بين شرق وغرب، رتيبٌ متقادم، يبدو تنويعا لانقساماتٍ عوينت قبله، ما بين طوْرٍ وآخر من متواليات الأزمة العويصة والمركّبة، والتي عبَرت إليها البلاد فور سقوط معمّر القذافي الذي تبدّى، لاحقا، أن فُرجة الليبيين أياما عليه مسجّى قتيلا كانت تُنبئ بأن انعطافةً تاريخيةً بمثل هذا المشهد قد لا تؤشّر، في العموم، إلى ما هو مطمْئن. لا يتوفر "المستجدّ" الليبي على عُدّةٍ لكاتب التعليق الصحافي، تسعِفه في أن يفضي بجديدٍ في القول والرأي والتحليل، فالتحذير من حربٍ أهليةٍ أخرى بين قوى جاهزة لها، كل عناصرها متوفّرة، كلامٌ مدرسيٌّ في مبناه العام، وقد يبعثُ على شيء من الضجر، من كثرة تكراره وترديده، وإنْ، على أي حال، يجب الإلحاح عليه في كل وقت، سيما وأن من بديهيّ المهمّات التي يحسُن أن ينكبّ عليها الكاتب، أيُّ كاتب، أن يجهر بمطلبٍ كهذا، صدورا عن حسّ إنساني ونزوع أخلاقي. عدا عن أن شخصا اسمُه أحمد المسماري، تعرّفه صحيفةٌ إماراتيةٌ تحدّث إليها بأنه ناطقٌ باسم خليفة حفتر، يقول إن انزلاق ليبيا إلى فلتانٍ أمنيٍّ كبير وارد، بل مرجّح، بالنظر إلى عمل عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة التي لا يعترف بها من يتحدّث هذا المتحدّث نيابةً عنهم، يستقوي بالمليشيات للردّ على قرار البرلمان عزله. وليس هذا الرجل وحده من يصدع بكلامٍ كهذا، وإنْ من موقع معروف الوجهة والاصطفاف، بل تُجمع تقارير وكالات الأنباء الكبرى، وكذا منظمات وهيئات مستقلة مراقبة، على أن الانسداد السياسي الحادّ في ليبيا أمام أي آفاق حلولٍ ممكنةٍ يُنذر بحربٍ أهليةٍ لا تخفى أشباحُها عن أعين المراقبين.

فيما يغالب واحدُنا رغبةً في الوقوف على جديدٍ في المتاهة البادية في بلد عمر المختار، يصادف تغريدةً لمستشارة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، ستيفاني وليامز، تهنئ فيها الليبيين بعيد الفطر، وتدعوهم إلى "لمّ الشمل"، وتقول إن كلها أمل "أن تعزّز هذه المناسبة فرص التسامح والتقارب بين الفرقاء في ليبيا، والحفاظ على السكينة العامة والهدوء". وليس في الوُسع غير أن يُشدّ على يد المستشارة الأممية، وهي تقول هذا الذي غرّدته، لكن سؤالا سيطلّ في الحال عمّ في المقدور أن يجتهد فيه كاتب تعليق صحافي، ويطالب به، أو أن يتصوّره خريطة عملٍ تجنّب ليبيا نزاعا مسلّحا قد يشتعل، أو لإنهاء بؤسٍ سياسي مقيم، فيما لا تجد مسؤولة رفيعة في الأمم المتحدة غير التمنّي، بمناسبة العيد، على أهل ليبيا، أن يلمّوا شملهم. وكيف هذا، وفي البال أن المنظمة الأممية نفسها عاجزةٌ عن تعيين مبعوثٍ خاص لها في هذا البلد، بعد أن غادر المبعوث السابق، السلوفاكي يان كوبيتش، في نوفمبر/ تشرين الثاني، مهمّته، قبل أوانها، والأنباء تفيد بعدم توافقٍ دولي، أوروبي وأميركي وروسي، على اسمٍ محدّد، مع رفضٍ شبه معلن لمقترح الاتحاد الأفريقي تعيين مبعوث أفريقي للمهمة المربكة، وذلك كله وسط حالةٍ من قلة الاكتراث دوليا بملفّ ليبيا برمته، ما قد يعود إلى أن هذا البلد منذورٌ ليكون ساحة اشتباكاتٍ سياسية، وملعب رمايةٍ عسكرية إن تطلب الحال، بين قوى لا تثبُت الواحدة منها على خيارٍ إلا وتلقاها قد انصرفت إلى غيره، بحسب هبوب رياحٍ من هناك ومن أبعد من هناك. وهذه إعادة التموقعات الإماراتية والمصرية والتركية، وكذا مفاعيل الحرب الروسية في أوكرانيا، لهما ولغيرهما تأثيراتُهما الظاهرة والخافية على أطراف المنازعات الليبية التي يحترف أهلوها ابتكار الجديد من سابقه الجديد فيها.

ولكنْ، لا يحسُن التسليم المسبق بأن هذا المشهد الليبي الراهن، الموصوف في نتفٍ موجزة أعلاه، هو نتاج لعب الآخرين كراتهم في طرابلس وبنغازي والزاوية (شهدت قبل يومين اشتباكات شديدة بين جماعتيْن مسلحتيْن) ومصراتة و...، فالليبيون أول من يتحمّلون المسؤولية الكاملة (أو شبه الكاملة إذا أردنا ألا نكون حنبليين تماما) عن هذا الحال، عن استسهال نقض كل تفاهماتٍ في جولات حوارٍ لم تتوقف بعد اتفاق الصخيرات، في طنجة وبوزنيقة وتونس وجنيف و...، وعن عبث برلمانٍ برئاسة عقيلة صالح، لا وظيفة له سوى إنتاج أزمةٍ من أزمة، وعن استقواء نخبةٍ ليبيةٍ غير هينة الأوزان والأعداد، ذات حساباتٍ مناطقيةٍ وقبلية، بعسكريّ مليشياويٍّ مهووسٍ اسمه خليفة حفتر، وعن رهانات عبد الحميد الدبيبة ومن في ضفته على هذا البلد وذاك في الإقليم، وعن إيثار فتحي باشاغا التأزيم والتقسيم على ممكنات الوحدة والتوافق، وهو يقيمُ على شهوةٍ للسلطة بلا حدود، وعن كثيرٍ وكثيرٍ مما يعرفه الليبيون أكثر من صاحب هذه السطور.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".