أميركا وإسرئيل .. اتفاق في الحرب على إيران واختلاف على الأهداف
آذار 30, 2026

د. وائل نجم

صباح يوم الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي شنّت الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية غارات مفاجئة على مقرّ المرشد العام الإيراني، علي خامنئي، ما أدّى إلى اغتياله مع عدد من القادة العسكريين والأمنيين، واندلاع حرب تواصلت على مدى شهر حتى كتابة هذا المقال، تبادلت خلالها القوى المتحاربة القذائف والصواريخ من دون أن تحسم أيّة جهة منها الحرب لصالحها.

لقد أظهرت أيّام الحرب أنّ أميركا وإسرائيل اتفقتا على شنّ الحرب واستهداف إيران غير أنّهما اختلفتا على الأهداف من وراء هذه الحرب.

من جهتها إسرائيل أعلنت قيادتها منذ اللحظة الأولى أنّها تهدف من وراء شنّ الحرب إلى إسقاط النظام الإيراني والتخلّص منه، وذلك لاعتبارات عديدة.

فرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، صرّح بعد تحقيق بعض الانجازات في حربه على غزّة ولبنان في العام 2025 أنّه يريد تغيير وجه الشرق الأوسط، ويريد أن يقيم "إسرائيل الكبرى" وحدودها من نهر الفرات في العراق إلى نهر النيل في مصر، بمعنى آخر يريد أن يهيمن على كلّ هذه المنطقة ويفرض أجندته عليها ويحوّلها إلى فضاء حرّ لـ "إسرائيل". ويعتبر نتنياهو أنّ النظام الإيراني الحالي هو أحد أسباب عدم تحقّق هذه الرؤية التي أسبغ عليها مسحة توراتية نورانية، وبالتالي فإنّ التخلّص من هذا النظام يفتح الطريق أو يمهّدها أمام إقامة هذه الدولة "الكبرى"، كما أكّد على ذلك عندما تحدث عن محورين يريد التخلّص منهم: محور إيران الذي اعتبر أنّه في نهايته، ومحور تركيا وقطر والسعودية ومصر الآخذ بالتشكّل، وهو على قائمة استهدافاته. وعلى هذا الأساس رسم نتنياهو لنفسه هدفاً أساسياً من وراء الحرب على إيران وهو إسقاط النظام الإيراني، وإذا تعذّر ذلك، فأقلّه تهشيم هذا النظام حتى لا تقوم له قائمة.

في المقابل فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية تمهّلت في الإعلان عن أهداف الحرب، ولم تصرّح بشكل مباشر وصريح بأنّها تريد إسقاط وتغيير النظام الإيراني، بل ربما أعطت انطباعات منذ اليوم الأول أنّها تريد استبدال القيادة وليس تغيير النظام تماماً كما فعلت في فنزويلا.

والحقيقة أنّ أميركا ليس لها مصلحة جديّة وحقيقية في تغيير النظام في إيران لاعتبارات عديدة. فأميركا التي تنظر إلى منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها إيران، على أنّها قلب العالم التي تتحكّم بطرق التجارة الدولية البحريّة والبريّة، وتضمّ ما نسبته 65% من احتياطات النفط والغاز على مستوى العالم، لا يمكن أن تترك هذه المنطقة لأيّة قوّة دولية أو إقليمية للتحكّم بها بما في ذلك حليفتها وربيبتها "إسرائيل". كما وأنّ أميركا تعتبر أنّ تفرّدها بالسيطرة على هذه المنطقة هو أحد أبرز وسائل وأدوات التحكّم بالعالم والتربّع على رأس النظام الدولي، وتعتبر أيضاً أنّ أفضل طريقة للتحكّم بهذه المنطقة، والأقلّ كلفة بالنسبة لها، هو عبر إدارة نوع من التوازنات بين الدول الكبرى التي تتشكّل منها المنطقة، بمعنى آخر، أن لا تسمح لأيّ من دول المنطقة الكبرى بالتحكّم بقرارها، بل بالشعور دائماً بخوفها من بعضها البعض، والحاجة الدائمة إلى أمريكا من أجل رعاية الأمن والاستقرار والمصالح فيها، وبما أنّ إيران إحدى هذه الدول الكبرى في المنطقة تصبح الحاجة إليها مطلباً لإدارة هذا التوازن مع بقية الدول (إسرائيل، تركيا، العرب، ألخ)، وبهذا المعنى لم تضع أميركا على قائمة أهدافها تغيير النظام في إيران، بل استبدال القيادة، وبهذا المعنى حيّدت أيضاً العناصر التي تجعل إيران تفقد هذه الميزة، فلم تستهدف بشكل مباشر عناصر قوّة الدولة باستثناء ما يشكّل خطراً محتملاً على دور ومصالح أميركا في المنطقة، خاصة وأنّ أميركا تعتبر أنّ إسقاط النظام الإيراني قد يجرّ إلى تفتيت إيران الدولة وبالتالي تشكيل تهديد مباشر على المصالح الأمريكية في المنطقة.

بهذه الاعتبارات يتضح أنّ أميركا و"إسرائيل" اتفقتا على شنّ الحرب، ولكنهما اختلفتا على أهدافها، وبهذا المعنى يمكن الحديث عن إمكانية الوصول إلى تسوية بين أميركا وإيران، بخلاف ما تتمنّاه "إسرائيل" من استمرار الحرب لتدمير إيران نظاماً ودولة.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تبّر عن "آفاق نيوز".