د . راشد الشاشاني
ما هو الشرط الذي ستقبل به إيران في مفاوضات الستين يوما
، لم تكن قد قبلت به سابقا ؟!
لماذا تجاهل ترامب إعلان إيران نصرها، و معه بنود
الإتفاق التي تعني فعلا قبوله بالهزيمة ؟!
طفلٌ طالت به الأماني حتى بلغ الثمانين ؛ نرى فيه
عنواناً مناسباً لإعلان ترامب بالأمس نهاية حربه مع إيران ،" كأنك يا أبو زيد ما غزيت " خاتمة
مناسبة لإعلانه هذا ؛ تفوّق فيها على صنّاع هذا المثل في عرض صورته المطابقة . قبل
أن نشير إلى تصريحاته المتتالية المتناقضة بهذا الخصوص ، لا بدّ لنا أن نقرّر أن :
" القلق " وحده من سيكون حاكماً للأيّام القادمة ؛ مذكّرين بتصريحاتنا
السابقة حول مستقبل المنطقة .
خطّة الهروب هذه غيّرت مسارها مرّات عدّة ، كانت تفعل
ذلك في كل لحظة وليس في كلّ يوم ، كان آخرها ضربة بيروت الأخيرة - الأمريكية بيد
إسرائيلية ـ نؤكّد فيها تنسيقاً تمّ بين الجهتين ؛ اعتمد على دقّة " ضربة
بهدف ثمين " نتيجة معلومة مفاجئة ، ولّدتها سلسلة عمليّات التجسّس التي
شرحناها سابقا ، لا نستبعد أن تكون إيران هي من دبّرت هذا الهدف ؛ باعتبار قدرتها على التعامل مع
مكائد من نوع كهذا ؛ نَشَدَ فيها ترامب " متحوّلاً " قد يعفيه من إعلانه
هذا ، غير أنّ المحاولة لم تكن بهذا الحجم . بقيت في إطار حسابات أمريكيّة أخرى ،
تقوم على الطلب من إيران عدم الردّ ؛ ما
يعني أن تكون إيران أمام خيارين ، الأول : أن تردّ - بعد أن هدّدت ـ فيُعفي ذلك
ترامب من إعلان هزيمته هذا ليتحوّل إلى مشهد مواز ، الثاني : أن لا تفعل ؛ فتضرب
إيران ذراعها الأهمّ في صميم مشاعر ولائه ؛ بما يثير قلقاً ؛ يسمح بتسلّلٍ يمكن
معه شقّ الصفّ ، أو أن تردّ إيران بعد الإعلان ؛ ما يمنحه ذريعة التحلّل من
إلتزامات هذا الإعلان بعد أن تتغيّر ظروف هذه الحسابات .
الظروف التي يريد ترامب تغييرها ليست من صناعة العطارين
، إنّها من عشواء صناعته ـ جهله بمآلات
أفعاله ـ فإذا يمّمنا وجهنا نحو مسألة وقف الحرب في جميع الجبهات ؛ نتساءل لماذا
دَفَعت إسرائيل أوّلا قبل غيرها هذه
الأثمان كلّها ، سيّما مع غضب الشارع فيها من إطلاق يد إيران وأذرعها في ناحية
تجديد بنائها ، وإن سلّمنا بفرضية شقّ الصف التي يضعها ترامب في قائمة افضل أسلحته
، نؤكّد - مع رؤيتنا السابقة - أن إيران لن تتمكّن من السيطرة على هذه المجموعات ؛
هذا ليس مفيداً كما يعتقد ترامب ؛ لأنّه :
في المقابل لن تتمكن إسرائيل أيضا من السيطرة عليها ؛ بعد تفلّتها من عقال توحّدها وتبعيّتها ،
وذهابها باتجاه تشكيل جيوش صغيرة هنا وهناك ، ليس هذا مهمّا بقدر ما هو مهمّ ضرب
مشاريع ترامب في المنطقة ؛ التي اعتمد فيها على " أصحاب النقاط الحمراء " لإزالة أثر إيران
.
أما تفاصيل ضبط سلاح إيران ؛ ومعه قوّتها النوويّة ؛ فهو
- أي ترامب - يعلم أنّها مهمّة مستحيلة ، لا تملك أفقاً لأيّة آلية ، ولو بكفاءة
ضعيفة للسيطرة عليها ؛ لهذا يسعى إلى تأسيس مؤسّسة " تركيب " مؤلّفة من
مجلس سلامِهِ ، الذي يتولى فيه قيادة مُمجّدة ، بعيدة عن التورّط مرة أخرى ؛
متوسّلا في ذلك تشكيل آلية مراقبة دوليّة تتحمّل هذه المسؤولية، ليست وكالة الطاقة
الدوليّة، بل مجموع الدول التي جرّها ترامب إلى الوساطة .
مع توليفٍ كهذا ؛ تُركت اوروبا في مواجهة متاعب فتح مضيق
هرمز و نزع الألغام ، بعد أن تحقّق "
وهميّاً "شرطها بوقف إطلاق النار
لتأمين سلامة المرور في المضيق ، ليس هذا همّها ، بل ستجد نفسها مسؤولةً عن عدم
إغلاقه مرّة أخرى في أثناء جلوس ترامب متفرّجاً، شارة البداية كانت مع قمة السبع
التي رافقت ظروفها مظاهر ارتباك كهذا ، بدا واضحا من مراعاته إخلاء الوقت أمام
ترامب للاستمتاع باحتفاله بعيد ميلاده ، وإقامة عشاء خاص في قصر فرساي ، سيّما مع
جفاء علاقته بماكرون الذي يفشل دوما في حلّ المشاكل ، ودخول موضوع نزاع الشرق الاوسط
كحدثٍ ليس من جنس موضوعات هذا اللقاء التقليديّة .
علينا أن لا نُهمل مساعي جهات عدّة ، وفي بقاع عدّة
لإحياء مسارات ربيع عربي جديد ، كان آخرها في باريس ، التي طالما ناكف رئيسها
ترامب ، قبل أن يتحوّل إلى استرضائه ، في مسعى لتيارات الإسلام السياسي لإعادة إلتقاط طرف خيط الأحداث
، في ظلّ ظروف لا نرى فيها تقيّة ترامب بالتعامل مع أصناف جديدة " كانت
محسوبة على تيارات كهذه " في المنطقة
؛ أمراً مانعا من حصول المحذور ، مع ملاحظة
انقلاب المعارضة في اسرائيل على نتنياهو ترتفع نسبة التخوّف من تحركات تيّار
اوباما ، الذي لم يفوّت ترامب حتى فرصة إعلان هروبه للتأكيد على فشله .
إعلان ترامب : قذف بكلّ مساعيه لإبرام اتفاق لبناني-
إسرائيلي ، وما رافقها من متاعب في داخل كلا البلدين في سلّة المهملات ، بالإضافة إلى إلغاء كل حسابات
النكاية والكيد في مشهد العراق ، ورفع نسبة قلقهما مع سوريا ، والغفلة عن أحداث
غزة ، والعجز عن سحب سلاح حماس ، ليس باعتباره قادرا على تجاوز هذه المسائل ؛ فلو
كان يستطيع ما وصلت الأمور حدّها هذا .إطمأنّ إلى ابتعاد بلاده عن مسرح الأحداث ، وقدرة الفوضى على ابتكار
الأحداث ، لم تكن تلك قراءة في واقع ما
اقترفته يداه ، لقد كانت تنفيذاً لفكرةٍ ضمّتها دفاتر مذكرات هذا الثمانيني.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".