العفو العام الاستنسابي!
أيار 20, 2026

د. وائل نجم

آخر ما تمخّضت عنه جلسات اللجان النيّابية المشتركة بخصوص مشروع قانون العفو العام هو إدخال بعض التعديلات على هذا المشروع ومن ثمّ إقراره في اللجان وإحالته إلى رئاسة المجلس النيابي التي حدّدت موعداً لمناقشة هذا المشروع والتصويت عليه يوم الخميس الواقع في 21 أيّار/مايو .

الصيغة التي أقرّتها اللجان النيابية المشتركة في ضوء التعديلات التي أدخلتها على مشروع القانون فرّغته من مضمونه أو بتوصيف أكثر دقّة، حرفته عن هدفه الرئيسي. ففكرة المشروع انطلقت أساساً لإيجاد حلّ ومخرج لمحاكمة وإقفال ملف الموقوفين الإسلاميين الذين قبعوا في السجون لعشرات السنوات من دون محاكمة بحجج وذرائع واهية أفقدت القضاء اللبناني ميزته التي كان يتغنّى بها، لأنّ العديد من هؤلاء الموقوفين خرج من السجن بعد توقيف دام لسنوات عديدة بحكم البراءة. انطلقت الفكرة لإيجاد حلّ لإنهاء هذه المظلمة، مع أنّ منطق الأمور والقانون، وعدالة القضاء كانت وما زالت تقتضي محاكمة هؤلاء وإصدار أحكام بحقّ من تثبت أيّة تهمة بحقّه تتناسب وهذه التهمة، وإطلاق سراح من لا تثبت أيّة تهمة بحقّه حتى لا يبقى رهن الاحتجاز والتوقيف التعسفي الذي لا تمارسه إلا سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سجونها بحقّ المعتقلين الفلسطينيين. ولكن للأسف الصيغة التي رست عليها مناقشات اللجان النيابية المشتركة وأحالتها إلى رئاسة المجلس ومن ثمّ إلى الهيئة العامة، هي صيغة حرفت المشروع عن أساس الفكرة التي وُجد لأجلها، وذهبت النقاشات إلى مكان آخر حيث بات أكثر الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا القانون، فيما لو أُقرّ، هم من القتلة والمجرمين وقطّاع الطرق وتجّار ومروجي المخدرات واللصوص، وهؤلاء لم يخضعوا في السجون لتأهيل يمكن أن يعيدهم إلى المجتمع ليعيشوا بحالة طبيعية بين الناس ومعهم، بل ظلّ العديد منهم يمارس تجارة الترويج حتى من داخل السجن، وهو الآن يستعد لتوسيع تجارته فيما لو أُقرّ القانون وخرج من السجن بموجب العفو العام. إنّ هذا يُعدّ بمثابة جريمة موصوفة بحقّ المجتمع أخطر بكثير من كلّ الإدعاءات التي ترمي تهم "الإرهاب" يميناً وشمالاً.

التعديلات التي أُدخلت على قانون العفو العام بعد إقراره في اللجان النيابية المشتركة أخرجته من صفة العمومية، فلم يعد "عفواً عاماً" وحوّلته إلى استنسابي إذا ما تمّ إقراره في الهيئة العامة للمجلس بالصيغة التي وردت من اللجان، سيكون قانوناً يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات بشكل أساسي، وسيحرم المظلومين من حقّ المحاكمة أولاً، ومن شمولهم بالعفو العام، وهذه جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة الجرائم التي ارتكتب بحقّ الكثير من الأبرياء؛ فضلاً عن ذلك سيشمل هذا العفو أيضاً كلّ المتسببين بالظلم الذي لحق بالكثير من الأبرياء الذين قبعوا في السجون لسنوات طويلة ثمّ خرجوا بعد ذلك بأحكام براءة.! من ينصف هؤلاء؟ ومن يأتيهم بحقّهم؟ ومن يعوّض عليهم معنوياً ومادياً هذه السنوات التي ذهبت من أعمارهم؟!

الآمال معلّقة الآن على جلسة الهيئة العامة للمجلس النيابي لإقرار قانون للعفو العام الشامل الذي لا يستثني أحداً، أو عدم إقرار أيّ قانون لأي عفو عام، والذهاب نحو تسريع المحاكمات وإطلاق سراح الموقوفين بغير وجه قانوني وحقّ، والنظر بعد ذلك في اقتراحات تكون من باب تخفيف الأحكام بحقّ المحكومين. أمّا أن يتمّ إقرار قانون يستفيد منه القتلة واللصوص وتجّار المخدّرات، ويُحرم منه الموقوفون من دون محاكمات تحت أيّ عنوان وذريعة وحجّة، فهذا قمّة الاستنسابية والظلم والاستهانة بالقانون وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية فضلاً عن الشراكة الوطنية.

إنّ نوّاب الأمة أمام امتحان حقيقي في جلسة يوم الخميس، فإمّا أن يُحكّموا ضمائرهم وينصفوا أولئك الموقوفين منذ عشرات السنين على ذمّة التحقيق، وإمّا أنّهم يسجّلوا على أنفسهم عجزهم عن رفع مظلمة طالت مواطنين أثبت القضاء براءة الكثير منهم بعد أن قبع في السجون لسنوات طويلة. كما وأنّه ومن باب تكافؤ المواطنين أمام القانون فلا يكون هناك تمييز بين مواطن ومواطن، ومن باب انتماء الموقوفين دون محاكمة لمكوّن مؤسّس للكيان اللبناني، ومن باب اللجوء إلى الميثاقية التي يلجأ إليها الكثير من الشركاء عند محطات ومفاصل يمرّ بها البلد، فإنّ النوّاب الذين يمثّلون هذا المكوّن المؤسّس مدعوون في جلسة الهيئة العامة يوم الخميس إلى ممارسة هذه الميثاقية عند التصويت على قانون العفو العام من باب تصحيح الخطأ وإعادة البوصلة إلى مكانها الطبيعي، فلا تكون هناك محاصصة ولا يكون القانون استنسابياً يمنح البعض ممن لا يستحق العفو العام، ويحرم الموقوفين الذين يستحقون محاكمات عادلة أو عفوا عاماً من هذا الحقّ.

وأمّا بالنسبة لذوي الموقوفين ولكلّ حريص من المواطنين على سيادة مبدأ القانون والقضاء العادل وقيام دولة المؤسسات، فمن واجبهم الانتباه إلى أنّ هذه "المصيدة" أو "الفخ" ربما يراد منه أخذهم وأخذ البلد إلى مكان آخر تشتعل فيه الفتنة أو على أقلّ تقدير يُصدّر فيه مشهد يعيد ترويج وتسويق شعار "الإرهاب" ومكافحته، وتوجيه ذلك نحو بيئات وساحات معيّنة طالما جرى "شيطنتها" واتهامها زوراً بما ليس فيها. وعليه فإنّ المطلب الأساسي والذي يجب الضغط لتحقيقه إذا لم يشمل العفو العام جميع الموقوفين، هو تسريع محاكماتهم بشكل عادل، وتعويض من تثبت براءته، وهم الأكثرية الساحقة، تعويضاً مادياً ومعنوياً، ومحاكمة كل من ساهم في مظلوميتهم من خلال فبركة الملفات بحقّهم أو التستر على الحقيقة والبراءة.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".