العفو العام يُفرّغ من مضمونه!
تموز 15, 2026

د. وائل نجم

مرّة أخرى وجديدة يعمل البعض على تفريغ اقتراح قانون العفو العام من مضمونه وإخراجه عن الغاية والمقصد الذي قُدّم من أجله. فبعض القوى السياسية والكتل النيابية عملت في محاولة جديدة لتعطيل اقتراح قانون العفو العام أو إخراجه عن سياقه الوطني، وبعد الاتفاق على صيغة يمكن أن تشكّل مدخلاً للوصول إلى عفو عام يرأب الصدع الوطني، وينهي مأساة الكثير من السجناء والموقوفين من دون محاكمات، لأسباب كثيرة وعديدة يعرفها الجميع، عملت تلك الكتل والقوى السياسية على إضافة فقرة إلى اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام التي كانت ستشكّل مدخلاً لعفو عام شامل، بحيث أنّ هدف إدخال هذه الفقرة إلى اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام هو فعلياً وعملياً حرمان وتعطيل استفادة شريحة من الموقوفين الإسلاميين تحديداً من اقتراح قانون العفو العام لاحقاً، وبذلك تكون المحاولة تحويل العفو العام إلى نوع من العفو الذي يستفيد منه البعض ويُحرم منه البعض الآخر، بما لا يلبّي رأب الصدع الوطني، بل بالعكس بما يعزّز الشعور بالاستهداف لشريحة من اللبنانيين، ولفئة معيّنة لحساب فئات وشرائح أخرى، وبما يجعل في البلد صيفاً وشتاءً تحت سقف واحد.

بات الآن واضحاً أنّ العفو العام الذي يجري العمل لأجله لم يعد عاماً، بل بات خاصاً يستفيد منه بعض المحكومين بتجارة المخدرات والسرقة والسطو والاعتداء على القوى الأمنية والجيش، ويستفيد منه أيضاً مروّعو المواطنين والمخلّون بالأمن، أمّا الذين تمّ اقتراح العفو العام لأجلهم ولأجل إنهاء معاناتهم في التوقيف الاحتياطي من دون محاكمات، فهؤلاء يبدو أنّ العفو العام لن يشملهم، وسيظلون قابعين في السجون ليس لأنّهم محكومون بجرائم، ولكن لأنّهم موقوفون احتياطاً من دون أيّ مسوّغ قانوني، وهذه جريمة تُرتكب بحقّهم مرّة أخرى، خاصة وأنّ بعض من قبع في السجون لفترات طويلة تحت عنوان "التوقيف" دون توجيه أيّة تهمة ودون إجراء أيّة محاكمة، أثبتت محاكمتهم بعد مدة طويلة من توقيفهم، أثبتت براءتهم من الأفعال الجرمية التي نُسبت إليهم! فمن يعوّض هؤلاء؟! ومن يتحمّل مسؤولية الوقت الطويل لغيابهم عن عائلتهم وأسرهم؟! ومن يتحمّل مسؤولية أبنائهم الذين فتّح بعضهم عينيه على الحياة وعاش فيها من دون أب؟!

إقرأ أيضاً : فرص النجاة واحتمالات عودة الحرب!

إنّ تعزيز اللحمة الوطنية والأمن الاجتماعي يكون عبر توفير العدالة لكلّ المجتمع، وإنّ توفير العدالة تكون بإنصاف كلّ مظلوم في أيّ موقع كان، ويبدو أنّ الاتجاه إلى إقرار العفو العام بهذه الصيغ المقترحة لن يوفّر العدالة بل سيزيد من الشعور بحجم الظلم الواقع على بعض المظلومين، وسيزيد من حجم الشعور بوجود استهداف لشريحة من مكوّنات البلد، وهذا لا يصبّ في صالح الوحدة الوطنية ولا في صالح استقرار وأمن المجتمع، بل يكشف عن نوايا سيئة لدى بعض معرقلي إقرار العفو العام الشامل تهدف إلى شيطنة شريحة أساسية من مكوّنات البلد لدفعها إلى إحداث الشغب والفوضى والانقلاب على الدولة ومؤسساتها لخلط الأوراق في لحظة سياسية فاصلة يعيشها لبنان وتعيشها المنطقة.

لكلّ ذلك فإنّ لبنان ليس بحاجة إلى عفو عام مبتور ومقطوع، خاصة في هذه المرحلة، لأنّ عفواً من هذا القبيل سيعيد إطلاق يد تجّار المخدرات واللصوص وقطّاع الطرق ومروّعي المواطنين والمعتدين على رجال الأمن، وهؤلاء في مثل هذه الظروف التي نمرّ فيها سيزيدون "الطين بلّة".

بعد الآن ليُلقى اقتراح العفو العام جانباً، وليجري التركيز، تركيز النوّاب والمنظمات الحقوقية وجمعيات حقوق الإنسان وكل صاحب ضمير حيّ على تفعيل القضاء، وإجراء المحاكمات العادلة وتسريعها، وإلغاء التوقيف الاحتياطي، وإحالة ملفات المدنيين أمام القضاء المدني، وإطلاق سراح الموفوفين فترات طويلة من دون محاكمات فوراً، إذ لا يجوز أن يستمرّ توقيف مواطن سنين طويلة من دون محاكمة ومن ثم بعد ذلك يجري إعلان براءته! إنّ المطلب الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه هو إجراء المحاكمات العادلة ورفض التأخير تحت أيّ ظرف أو ذريعة أو ادعاء، وما سوى ذلك سيعني تهريب قانون مبتور يطلق سراح المذنبين ممن لهم حظوة وظهر يحميهم، ويبقي على الأبرياء المستضعفين ممن لبثوا في السجن بضع سنين لأنّه لا بواكي لهم.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".