د . راشد الشاشاني
فخّ سحب سلاح الفصائل .....
خفْض الإهتمام وزيادة الإنتاج . يبدو هذا شعاراً مناسباً لإعلان توم براك
مبعوثاً رئاسيّاً إلى سوريا والعراق ، بالإضافة إلى عمله سفيراً لبلاده لدى تركيّا
، جليٌّ أنّ هذه الأخيرة هي جوهر جدارة هذا الإستحقاق ، خلافاً لما يعتقد البعض
أنّ اهتماماً امريكيّاً بمشاعر أبناء هذه البلاد ؛ سيتولّى تخليصهم من " ذقون المراوغة والإنتهاز " ،
عمليّة ترامب هذه : تأتي امتداداً لمسار عقيدة اللّعب مع القوي ؛ باعتبار أنّ
غنائم هزيمة هؤلاء أكبر من تلك التي تجلبها لعبة المجموعات ، مهما كبرت الآمال
التي عُلّقت فوق أحلامها ، وما يتيحه هذا من إمساك مرن بالمسؤوليّة ؛ حيث يمكن
تركها أو التخفيف منها بقدر الحاجة عند التعامل مع السلطة الحاكمة ـ ولو بطريق
وساطات تُفرغ من كل أوزانها ـ عوضا عن تجميع الأحلام والبناء فوقها .
تنكر ترامب لدعم المجموعات ؛ رافقَه بالضرورةِ مصلحة
لخصوم هذه الجماعات في السيطرة عليها ، ليس فقط خصومها التقليديّين ، بل انضمّ
إليهم غيرهم ، تركيّا مثلاً : لم تعدوحدها صاحبة المصلحة ، لكن ترتيب الأحداث فتح أبواباً عدّة لدخول غيرها ،
لن يتّسع المقام للحديث عنها ؛ لهذا سوف نخصّ تركيّا به ، مذكرين أنّ ترامب عبّر
عن مراقبته تحرّكات المصالح هذه ؛ مرّات عدّة ، لم يلاحظ أثرها أحد ، تمحورت حول
سيطرة أردوغان على مناطق نفوذ من خلال فصائل تابعة له .
خبرة براك في بعض شؤون المنطقة لم تكن سبباً في تعيينه ؛
بقدر ما كانت قدرته على ضرب الأهداف بدقّة ، يجب أن لا ننسى كيف كان يعلّق أمنيات
الجميع بزيارة واحدة له ، لتتلاشى بعد
ساعات هذه الآمال ؛ مخلّفة انقساماتٍ عدّة .ليست غريبةً هذه الإنقسامات ؛ فهي ملح هذه المنطقة ، لكنّ الغريب فيها : هو جرأتُه التى أصبحت
مطيّة كلّ فريق للهجوم على الفريق الآخر ، كان هذا الهجوم دوماً ؛ مصحوباً بفكرة
تقبّل اللحلحة في المواقف ؛ التي كانت تُثمررغبات - قبل أن تصبح واقعا - في الذهاب ، انتبهوا ؛ إنّنا نقول الذهاب ، ما
يعني : اللحاق إلى الخارج ، إلى ارض ترامب ، والتوسّل أو إلتماس حل المشاكل ، بدلا
من سفر مُوفدي ترامب ومكوثهم في أرض غريبة " أرض المهرولين " زمناً
طويلا ، والعبث في محاولات حلّها على أرضهم ؛ هذا يعني فارقاً في دور الولايات
المتّحدة ، و ترامب على وجه الخصوص .
رحلة اللحاق هذه - بطبيعة الحال - لم تكن متاحة للعامّة
، نقصد هنا أصحاب المشكلة ، بل لأفراد السلطة ونقول أفراد السلطة : لأن السلطة ليست
مبنيّة بالقانون ، بل بالمحاصصة ، مع أخذنا بعين الإعتبار أنّ هؤلاء الأفراد ذاتهم
؛ اعتلوا مناصبهم بأمنيات أمريكيّة - لا
نقول ضغط لأنّنا لا نقرّ بوجوده - لقد رأينا ما حدث مع لبنان وسوريا وهو آت إلى
العراق ، ولا يفوتنا أن نذكّر بقصّة " ابو عمر او السنكري " في لبنان
وأثرها ، في ظلّ تساؤل آخر : حول غياب الوعي الأمريكي عن مثل هذه السيناريوهات
ومدى تكرارها في أماكن أخرى ؟!
اقتضى ضبط
الإعداد هذا : أن تتوسّع منطقة مراقبة الأحداث تحت عين براك . غير أنّ توسيع نطاق
المهمّة المكاني لا ينفصل عن نطاقها النوعي ؛ الذي ينبغي له أن لا يغرق في تفاصيل
غير منتجةٍ للولايات المتّحدة ، بالإضافة إلى كلفتها المرتفعة وهي تمارس سباق
الهروب من تحمّل مسؤليات رعاية مجموعات أو حتى أفكار ، عبّر عنها براك ذاته ، حين
تعامل مع فكرة حدود سايكس بيكو ، وأفكار المركزية واللامركزية والحكم الذاتي .
سنُنهي حديثنا عن أفضليّة التعامل مع سلطة حاكمة بالنسبة
لترامب ، بتساؤل : حول موقفه من إيران بعد أن نجحت تجربته " تحربته هو " في لبنان وسوريا
والعراق وفنزويلا ، هل بقيت ذات الفكرة قائمة لكنّها ستأخذ شكلاً آخر في إيران بعد
فشل إيجاد نظام موالٍ للولايات المتحدة فيها ؟
بالإضافة إلى تساؤلٍ آخر حول فكرة فخّ نزع سلاح الفصائل
؛ التي يعلم ترامب أنّها عالية الصعوبة ، إن لم تكن مستحيلة ، غير أنّه يضمن بها
وجود " دولة " وليس سلطة !!تحتاج الولايات المتحدة ومجلس السلام التابع له ؛ يمكنه التحكم بها ،
بعيداً عن التعامل مع ساحة للمعارك ، ويواجه بتكتّل مجموع هذه الدول قوىً إقليميّة
، مثل : إيران ، تركيّا ، وغيرها ، ومعها قوىً دوليّة . ربّما هذا ما كان يقصده
براك ، حين تحدّث عن " دولة قويّة
" لا ما نقصده نحن حين نتحدث عن قوة كهذه .
النتيجة : مفهوم الدولة ليس واحداً عند جميع المتعاملين
به ، لقد أخذ هذا المفهوم شكلاً جديداً ،و حدوداً مغايرةً مبتكرةً مع صفقاتِ ترامب
.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".