دمشق .. تفجيرات أمنية بنكهة سياسية!
تموز 07, 2026

د. وائل نجم

شهدت العاصمة السورية دمشق تفجيرين اثنين لا يفصل بينهما سوى بضعة أيّام. الأول يوم الخميس الواقع في 2 تموز 2026 وتزامن مع زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى لبنان، كما تزامن أيضاً مع زيارة قام بها وزير خارجية العراق إلى دمشق ولقائه الرئيس أحمد الشرع. والتفجير الثاني يوم الثلاثاء خلال زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى سوريا حيث استهدف التفجير محيط المنطقة التي كان يمرّ بها موكب الرئيس الفرنسي من مكان إقامته باتجاه قصر الشعب للقاء الرئيس الشرع، وقد أكمل الرئيس ماكرون طريقه وأجرى اللقاء مع الرئيس الشرع دون أن تتأثّر الزيارة بشيء. وللمفارقة فقد تزامن التفجيران أيضاً مع تحريك جبهة السويداء حيث شنّت المجموعات المسلّحة التي تصفها الدولة السورية بأنّها خارجة على القانون، شنّت هجمات مسلّحة استهدفت بعض مراكز الأمن العام والأمن الداخلي في المحافظة.

الحقيقة الأولى أنّ هذه التفجيرات في دمشق هي خرق أمني لا يمكن إنكاره ولا تجاهله، ولكنّها ليست نهاية العالم ولا الكوكب. فهناك العديد من الدول الراسخة في الأمن والعميقة في تجربتها في مكافحة الجريمة والإرهاب شهدت مثل هذه الأعمال الإرهابية، فكيف بعاصمة ودولة خارجة لتوّها من أحداث وحرب استمرّت أربعة عشر عاماً، وعندما سقط نظامها السابق انهارت كل المنظومة ولم يبق منها شيء ما اضطر الحكومة الجديدة والنظام الجديد لإعادة بناء كلّ شيء من الصفر، بل ربما من تحت الصفر، في وقت ينتشر فيه السلاح بشكل واسع بسبب الأحداث والحرب، وفي وقت عمل النظام الجديد على إشاعة أجواء المصالحة الوطنية وطي صفحة الماضي وتجاوز الأحداث وعدم اللجوء إلى خيارات القبضة الأمنية في ملاحقة ومعاقبة كل من له صلة بالنظام السابق كي لا يكون ذلك سبباً في إثارة الجروح وبالتالي إثارة الأحقاد، وبهدف بناء المستقبل، وهو ما أوجد مساحة كبيرة من التسامح والتغاضي وجد فيها البعض من المأجورين والحاقدين فرصة للنيل من سوريا واستقرارها ومصالحتها مع نفسها، فعمد إلى تنفيذ أجندات داخلية أو خارجية دون أيّ اعتبار لمسؤولية أو حسّ وطني، فارتضى أن يكون أداة رخيصة توجّه سهام غدرها وحقدها إلى صدر سوريا وقلب دمشق في أقذر مهمّة تحمل دلائل ورسائل سياسية بنكهة أمنية خدمة، في أغلب الظن، لأجندات خارجية ليس فيها لأيّ سوري أدنى مصلحة.

والحقيقة الثانية أنّ مثل هذه الأعمال التخريبية الإرهابية قد تنشر شيئاً من القلق والتوتر، وقد تتمكّن من قتل بعض المحامين كما جرى في تفجير العبوة قرب قصر العدل؛ أو بعض المدنيين كما حصل في التفجير اثناء انتقال الرئيس ماكرون إلى قصر الشعب، ولكنّها لن تهزّ الأمن ولن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فمن اليوم وصاعداً سيكون كلّ سوري حرّ شريف رجل أمن يسهر على حفظ أمن واستقرار الشام كي تعود وتزهر بالياسمين، وحتى يبلغ الأمن والهدوء الاطمئنان منتهاه. والذين نفّذوا هذه التفجيرات ليسوا سوى أدوات رخيصة ارتضت لنفسها القيام بهذه القذارة وارتكاب هذه الجريمة إمّا رغبة بالانتقام جراء خسارة ما كانت تظنّه ملكية خاصة بها، وإمّا تلبية لأحقاد دفينة تربّت عليها منذ زمن قديم.

وأمّا الذين يقفون خلف هذه التفجيرات ويغذّون الحقد ويشعلون الفتن، من دول وأفراد وأجهزة مشبوهة، فهؤلاء ليس لهم ذمّة ولا ضمير ولا دين؛ هؤلاء أرادوا توجيه رسائل سياسية من خلال تلك الأدوات وبهذه الوسائل الجبانة والدنيئة التي تطال المدنين الأبرياء العزّل.

هل صدفة أن يتمّ تفجير حي قصر العدل لحظة زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت؟! وحديثه عن قيام علاقات نديّة من دولة إلى دولة، والتشديد على دعم قيام دولة مؤسسات في لبنان؟ واقتراحه المساهمة في إيجاد حلّ للأزمة الحالية في لبنان إذا ما كان ذلك برضا كلّ الأطراف اللبنانية وبطلب منها؟ وبالتالي، من المتضرّر من أن تسهم سوريا الجديدة بصناعة السلام في لبنان؟! من المتضرّر من أن تكون سوريا الجديدة عنصراً مساعداً على قيام دولة المؤسسات الحرّة السيّدة المستقّلة في لبنان؟! من له مصلحة في أن يبقى لبنان، بل وتبقى سوريا ضعيفين غير مستقرّين يبحث كلّ منهما عن الأمن والاستقرار ويستجديان رغيف الخبز؟! من المستفيد من ذلك في سوريا وفي لبنان وفي المنطقة؟

ثمّ هل صدفة أن يجري تفجير عبوّة ناسفة بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، وعلى مقربة من مقرّ إقامته ومرور موكبه؟ وهو الذي جاء من أجل إبرام اتفاقيات ومعاهدات تساهم في خروج سوريا من أزمتها الاقتصادية عبر مشاريع استثمارية كبرى، وبالطبع كجزء من المصلحة الفرنسية. من له مصلحة في الداخل السوري وفي المحيط الإقليمي في تخريب كلّ محاولات سوريا للخروج من الأزمة التي خلّفها النظام السابق وسياساته الكيدية الفئوية الضيّقة؟ من له مصلحة في أن لا تقف سوريا على قدميها وتستعيد دورها الريادي الذي عرفته وعاشته ومارسته على مرّ التاريخ منذ مئات بل آلاف السنين فكان ضامناً للتنوّع والانفتاح والحريّة التي جعلت الشام عاصمة الياسمين؟ من له مصلحة في ذلك؟!

كثر الذين لهم مصلحة في إيذاء سوريا ولبنان، كثر الذين ليس لهم مصلحة في استقرار سوريا وقيامها بواجبها القومي والعربي والإسلامي والإنساني، كثر الذين لا يحبّون سوريا لأنّها بيضة القبّان في صناعة مستقبل المنطقة ومحيطها الإقليمي، وكثر الذين يخافون سوريا لأنّها تهدّد أطماعهم ومشاريعهم التوسعيّة ونواياهم الخبيثة. كثر في الداخل السوري وقد ارتضوا أن يكونوا أدوات رخيصة لمصالح وأطماع خارجية؛ وكثر في الخارج، بعضهم يريد إقامة مشاريعه الموهومة، وبعضهم يريد الانتقام لهدم مشاريعه المتوّهمة، ولربما التقت مصالح الذين لا يحبّون سوريا والذين يخافونها مع تلك الأدوات الداخلية الرخيصة فلجأوا إلى وسائل الغدر وحمّلوها تلك الرسائل السياسية.

ولكن أيضاً، أكثر وأكثر وأكثر الذين يحبّون سوريا، في داخل سوريا وفي خارجها وعلى امتداد هذه الوطن العربي الفسيح. أكثر وأكثر وأكثر الذين لن يسمحوا بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولن يعطوا الفرصة للمتربّصين بسوريا ولبنان والمنطقة شرّاً، ورائحة البارود الكريهة التي نشرها الكارهون الحاقدون بتفجيراتهم في أجواء الشام لن تزيل رائحة الياسمين التي سيفوح عطرها وعبيرها من جديد مع كل فجر جديد ليملأ أجواء سوريا والمنطقة حبّاً وسلاماً وقسطاً.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".