ساطع نورالدين*
ما زال يمكن التعامل
مع "المسألة الدرزية" المطروحة على سوريا، بصفتها حالة نموذجية تشهد على
تصفية حسابات الأكثرية السنية مع الأقليات التي عاشت في كنفها، لقرون طويلة، والتي
تسير اليوم نحو حتفها، بوعي كامل، ليس لها تفسير منطقي سوى الرغبة بالانتحار الجماعي..بعدما
سَدّت بنفسها أفق السياسة وعطلت شروط التسوية ووضعت أكثر من مليون درزي يعيشون في المشرق
العربي أمام محكمة الهوية والانتماء والولاء.
لسببين، لا ثالث
لهما، لن يتم استيراد او تصدير تلك المسألة الى لبنان، هما أولا الزعامة الجنبلاطية
وجمهورها الغالب، وثانيا التيار السني المدني ( والمديني) الطاغي، الذي كان ولا يزال
يحول دون تشكل قيادات لبنانية سنية دينية، تسير خلف حكام دمشق "المتدينين"،
وتشاركهم مسعاهم في قيادة سوريا الى الوراء، الى ما قبل الدولة المدنية الصامدة حتى
الان.
لكن الخوف على دروز
سوريا محكوم بواقع أنهم الكتلة الشعبية الأكبر عدداً في بلدان المشرق، ولكن ليس الأهم
من بينها، والتي استمدت قوتها ونفوذها وتاريخها من دورها الحاسم في تشكيل الهوية الوطنية
السورية في مواجهة الانتداب الفرنسي، مطلع القرن الماضي، بينما كان دروز لبنان يكتبون
فصولاً تأسيسية من تاريخ الكيان اللبناني منذ الأمير فخر الدين في القرن السادس عشر،
وحتى اليوم. وهو ما لا يقارن بوضع دروز فلسطين-إسرائيل، الذين كانوا بمرتبة حرس حدود،
يستخدمهم الاحتلال الإسرائيلي لأسوأ المهمات، وينبذهم لأبسط الأسباب، حتى ولو كانوا
من ناخبي الحزب الحاكم، حزب ليكود، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، صديق مرجعهم
الروحي الشيخ موفق طريف.
لكن ما يجمع بين
هذه الحالات الدرزية الثلاث هو الاعتقاد المبالغ به، بأن أهمية الطائفة تفوق حجمها،
وتسارع الى استحضار التاريخ وما فيه من قواسم مشتركة، وهي قليلة نسبياً، بين دروز سوريا
ولبنان وفلسطين-إسرائيل، ولا تظهر إلا في الازمات الكبرى التي تواجهها الطائفة وتهدد
وجودها بشكل مباشر.. وهو ما لا يمكن ان يصنف كعصبية درزية عابرة للحدود والجيوش الثلاث
التي يخدم فيها الدروز، ويظلون مرتبطين أشد الارتباط بالعواصم الثلاث، بيروت ودمشق
وتل ابيب.
منذ انهيار نظام
الأسد في سوريا، حصلت هزة قوية في وعي الدروز، الذين كانوا مثل الطوائف السورية الاخرى
موزعين ما بين الولاء للنظام السابق والبراء منه، لاسيما في سنواته الأخيرة. لكنهم
في يوم التحول الكبير في الثامن من كانون الأول الماضي، كانوا من أوائل المجموعات التي
دخلت الى دمشق، ورفعت راية النصر، وتخطت منطق الشراكة في الثورة، الى ما بدا أنه طموح
"الوصاية"، المبني على حسابات خاطئة في تقدير طبيعة الوافدين من الشمال السوري
الى دمشق، وخلفياتهم العقائدية، وبرامجهم السياسية المستمدة بشكل خاص من تركيا.
لم يبالغ الدروز
كثيراً في تقدير حجمهم، ودورهم، لكنهم دخلوا على حكام دمشق الجدد، الذين كانوا يؤكدون
أنهم سينفذون، "باعتدال" طبعا، جدول أعمال أمويٍ، يمحو صفحات مهمة من تاريخ
سوريا الحديث. رفع الدروز يومها، ومشايخهم خاصة، مطالب الدولة المدنية، الديموقراطية،
بل وحتى العلمانية.. في الوقت الذي كان زعماء أميركا وأوروبا وتركيا وبعض العرب، يسامحون
حكام دمشق عنها، ويفوضونهم بإقامة دولة إسلامية "معتدلة"، تفرض هيبتها على
الأقليات كلها من دون استثناء وتصادر السلاح والمليشيات المسلحة. كانت اللامركزية الإدارية
الموسعة، مطلباً درزياً عاماً يشبه مطالب بقية الأقليات المتوجسة من الحكم الجديد في
سوريا، لكن الاشتباك حصل في اعقاب مجازر العلويين في الساحل، وتطور الى أن بلغ حد المطالبة
بالحكم الذاتي، ثم الانفصال المغطى بالعلم الإسرائيلي.. في واحد من أسوأ وأخطر مظاهر
التيه الدرزي، الناجم عن المذبحة الكبرى في السويداء الشهر الماضي.
والحال ان ذاكرة
دروز سوريا البعيدة كانت أقوى من اللازم، لكنها كانت أضعف من أن تحفظ وقائع الأشهر
القليلة الماضية، ومفارقاتها التي لأحد أن يخطئها، ويمضى قدماً في قراءتها بشكل مناف
للعقل، والتفاعل معها بالأسلوب الوحيد الذي يعرض دروز المشرق جميعاً لشرٍ مستطيرٍ..
وليس فقط في"دويلة السويداء"، المحاصرة من كل الجهات، والتي لا مستقبل لها
حتى مع العدو الاسرائيلي.
*كاتب لبناني
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".