عن حاجة لبنان إلى تفاهم وتفّهم داخلي!
حزيران 24, 2026

د. وائل نجم

يمكن القول إنّ الحرب التي شهدتها المنطقة، وفي صلبها لبنان، بدأت تضع أوزارها، ولكنّ نتائجها وتداعياتها ما تزال مستمرة وقد تأخذ مزيداً من الوقت كي ترسو الأمور والأوضاع على برِّ ثابت.

في لبنان حيث كان البلد مسرحاً لجزء كبير من هذه الحرب، وما يزال، قد تنعكس نتائج الحرب عليه سلباً إذا لم يُحسن أبناؤه التعامل مع هذه النتائج، خاصة في ظلّ الانقسام الداخلي الحاد والموروث على خلفيات وقضايا عديدة؛ وقد يتحوّل إلى جوائز ترضية مع اتجاه الأمور إلى إرساء نظام إقليمي جديد كأحد نتائج وتداعيات الحرب.

خلال اليومين الأخيرين شهدنا جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية في واشنطن، هي شكل آخر من أشكال المواجهة التي تجري في الجنوب، مع اختلاف في أمرين: في الجنوب المواجهة عسكرية ميدانية خشنة مؤلمة ومكلفة تتطلّب مقتضيات لها علاقة بهذا الميدان، وفي واشنطن المواجهة دبلوماسية مباشرة ناعمة لها تداعياتها إلى يمكن أن تصبح تاريخاً يظلّ أبناء الوطن يدفعون فواتيرها مع كلّ الأجيال. وأمّا الأمر الثاني وهو أكثر خطورة من المواجهة العسكرية أو الدبلوماسية فهو الانقسام الداخلي الحادّ على خلفية الحرب وأسباب دخولها من ناحية، وعلى خلفية كيفية مقاربة أحداثها والتعامل مع نتائجها من ناحية ثانية. انقسام وصل إلى حدود الاتهامات بالتخوين والاستخدام والمغامرة والمقامرة أو التهاون والتنازل وأخذ يتحوّل تدريجياً إلى خصومات بل عداوات داخلية تُضعِف لبنان لصالح خصمه وعدوّه التاريخي الواحد الذي يُجمِع كلّ اللبنانيين على خصومته وعداوته وهو الاحتلال الإسرائيلي.

إقرأ أيضاً : ميزان الشرع لمعالجة أزمة لبنان

الآن وبعد أن بدأت الحرب تضع أوزارها، بمعنى المواجهة العسكرية بدأت تتراجع، فإنّ المواجهة الدبلوماسية قد تتقدّم لتكريس نتائج الحرب، ولبنان في هذه الحالة بحاجة إلى تفاهم داخلي يقوّي الموقف الدبلوماسي التفاوضي كي لا تكون النتائج على حسابه وحساب مستقبله، وهذا بدوره بحاجة إلى تفهّم من كلّ الأطراف لبعضها البعض؛ لا معنى في هذه المرحلة لا للاتهامات ولا للمواقف الداخلية الحادّة ولا لإطلاق الأحكام يميناً وشمالاً ولا لنبش التاريخ وتحميل المسؤوليات عمّا آلت إليه الأوضاع والأمور، وليس على خلفية دفن ونسيان الماضي أبداً، ولكن من أجل تحصين اللحظة أمام التحدّي الماثل أمام الجميع.

لبنان بحاجة إلى تفاهم داخلي كي لا تضيع الجهود ويتحوّل الصراع إلى صراع داخلي يستنزف الجميع؛ وبحاجة أيضاً إلى تفهّم الأطراف لبعضها البعض ولطبيعة المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، وتمرّ بها المنطقة حيث يتمّ إرساء نظام إقليمي جديد. تفهّم يوظف القدرات الدبلوماسية والعلاقات السياسية والقوّة العسكرية من أجل صالح البلد كلّه. تفهّم لا يُشعر أيّ طرف أنّه مستهدف أو على قائمة العزل أو الإقصاء أو التهميش. تفهّم لا يُشعر أحداً بالخوف على مستقبل البلد ومصيره من الاستئثار والتحكّم والغلبة. بمعنى آخر، لبنان بحاجة إلى أن يَشعر الجميع فيه من أبنائه أنّ لبنان لهم جميعاً ليس لفرد دون آخر ولا لمكوّن سياسي دون آخر ولا لجماعة دون أخرى ولا لحزب دون آخر. لبنان بحاجة إلى الجميع حتى يوظّفوا علاقاتهم وصداقاتهم كي تكون من أجل الوطن، لا أن تتحوّل تلك العلاقات إلى وسيلة تفتح البلد على مصراعيه للتدخلات الخارجية التي تحوّله إلى ساحة، وتحوّل أبناءه إلى أدوات في مشاريع ومصالح الغير. ماذا يُضير اللبنانيين أن يكون بلدهم موطناً لهم جميعاً يتمتّع أفراده بالمواطنة والحقوق والواجبات على قدم المساواة؟ ما يُضيرهم أن يسود منطق القانون والحقوق والكفاءة والنزاهة فلا فضل للبناني على لبناني آخر إلاّ بمقدار كفاءته وما يقدّمه للبلد من خير؟

الجميع الآن أمام هذا التحدّي وأمام واقع جديد ينشأ في المنطقة كلّها، فإمّا أن يحجز لبنان، وهو بالمناسبة اليوم يكاد يكون "قطب الرحى" فيما يجري، موقعاً مميّزاً له ولأبنائه ومستقبله، وإمّا أن يظلّ على حالة الانقسام والتبعية التي تحوّل البلد وأبنائه إلى ساحة وأدوات يستغلّها الجميع ويدفع ثمنها اللبنانيون من حياتهم وأرزاقهم ومستقبلهم.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".