د. وائل نجم
مع اقتراب موعد الإفطار يوم الخميس (6 آذار 2025) كانت
سورية على موعد مع تطوّر كبير وخطير تبيّن لاحقاً أنّه خطّة أٌعدّت مسبقاً للقضاء
على الدولة السوريّة إمّا بهدف تقسيمها، وهو المرجّح، وإمّا بهدف إعادة النظام
السابق إلى حكمها.
فعند الساعة الأخيرة من نهار يوم الخميس المذكور شهدت
منطقة الساحل السوريّ أعمال فوضى وعنف بدأت في مدينتي اللاذقية وطرطوس وامتدت إلى
مدينة جبلة وأريافها واستهدفت تواجد مراكز ومخافر الأمن العام السوري وعناصره
ومقرّات الحكومة الرسمية، وحتى المشافي والمراكز الحسّاسة والأسياسية في بعض
المدن، فضلاً عن السيطرة على مفاصل الطرق التي تصل الساحل بالشام وحمص وحلب وحتى
لبنان، وقام بهذه الأعمال مسلّحون وضباط محسوبون على النظام السابق (بحسب بيانات
وفيديوهات نشروها باسم مجالس عسكرية محلية) تريد القضاء على الحكومة
و"استعادة الدولة".
عادة ما ينظّم فلول النظام السابق كمائن لدوريات الأمن
العام في مناطق الساحل، أو أحياناً يتصدّون لتلك الدوريات التي تنطلق من مراكز
المدن بهدف إلقاء القبض على بعض المطلوبين، فيطلقون النار على تلك الدوريات بهدف
إعاقة عملها وتأخير وصولها إلى مطلوب حتى يتمكّن من الفرار، وعادة ما يسقط في مثل
هذه الكمائن قتلى سواء للأمن العام أو للفلول، ولكنّها تنتهي مع انتهاء الكمين.
هذه المرّة كانت على غير عادتها؛ هذه المرّة تحرّكت
مجموعات كبيرة بتنسيق كامل وخطة محكمة على أكثر من مستوى عسكري وسياسي وإعلامي
وتعبوي بهدف السيطرة على منطقة الساحل وعزلها عن بقيّة المحافظات السورية، وقد
تمكّنت مجموعات المسلّحين من السيطرة في الساعات الأولى على مناطق واسعة من مدن اللاذقية
وطرطوس وبانياس وجبلة، وكادت أيضاً تقطع طرق المواصلات بين الساحل وبقيّة
المحافظات، وأن تنجح في خطة الفصل كمقدمة للسيطرة الكاملة وإعلان انفصال هذه
المنطقة عن سورية تحت حجّة وذريعة انتهاكات تقوم بها قوات الأمن بحقّ المدنيين في
الساحل؛ وبعض السوريّين يذهبون أبعد من
ذلك عندما يتحدّثون عن خطّة محكمة وتنسيق مع أطرف خارجية وداخلية بهدف التحرك في
ساعة صفر واحدة في أكثر من منطقة للسيطرة حتى على دمشق وإعادة النظام السابق إلى
الحكم.
غير أنّ اكتشاف الحكومة لتلك النوايا في وقت مبكر،
والتحرّك على خط إفشال هذه الخطّة، وتوجيه وزارة الدفاع أرتال من الجيش العربي
السوري إلى الساحل لوضع حدّ لخطة الانفصال والتمرّد، والاستجابة السريعة للجيش،
وإعلان النفير العام في البلاد لمنع إسقاط الدولة وحمايتها، وتلبية الشعب السوري
السريعة والمدهشة لإعلان النفير العام حيث احتشد نصف مليون مقاتل بسلاحهم وعتادهم
الحربي الكامل خلال أربع ساعات فقط، وتوجهوا نحو الساحل، وإعلان زهاء مليون سوري
خلال 24 ساعة استعدادهم للتطوّع في الجيش من أجل الدفاع عن الوطن والدولة وإفشال
مشاريع التقسيم والانفصال وأسقاط الدولة، جعل خطة المسلّحين وداعميهم في الداخل والخارج
تتقهقر بشكل سريع، ومكّن قوات الجيش العربي السوري والأمن العام من إعادة السيطرة
على المدن الساحلية بشكل كامل، وحتى على أريافها، وشرعت هذه القوات في عمليات بحث
وتفتيش عن المطلوبين والمتورطين بهذه الخطّة، وأسماؤهم باتت معلومة لدى أجهزة
الأمن، كما استطاعت فرض الأمن من جديد ودعوة أهالي الساحل إلى عدم الخوف، والعودة
إلى بيوتهم ومنازلهم بشكل طبيعي.
لقد أكّد الشعب السوري بفزعته السريعة لحماية الدولة
والوطن ومكتسبات الثورة على وعيه بالمخاطر المحدقة بسورية على أكثر من مستوى، وعلى
تمسّكه بالدولة ومنجزات الثورة حتى لا تذهب دماء الشهداء هباءً منثوراً، وعلى
استعداده للتضحية لمنع أي دخيل أو عميل أو منتهز يحاول تقسيم سورية أو تحويلها إلى
دولة هشّة تعبث بها المصالح الشخصية أو حتى مصالح الدول.
كما أرسل الشعب السوريّ بفزعته السريعة رسائل في اتجاهات
عدّة.
فالرسالة الأولى كانت نحو الداخل السوري الذي راود عقول
البعض منه فكرة الانفصال وتأسيس كيانات خاصة تقتات وتعيش على مساعدات وحماية دول
الجوار في "إسرائيل" وغيرها من الدول الإقليمية والعالمية.
والرسالة الثانية كانت نحو بعض الدول في المنطقة
والإقليم والتي يطمع بعضها بالسيطرة والنفوذ في سورية من أجل الهيمنة على المنطقة
وتأسيس نظام إقليمي جديد يكون خاضعاً لها، وبعضها الآخر يريد استعادة أمجاد غابرة
مضت.
والرسالة الثالثة كانت نحو العمق العربي والإسلامي
ليؤكّد في فزعته على أنّه ما زال، وعلى الرغم من الأثمان التي دفعها والجراح التي
أصابته، في موقع الدفاع عن هذا العمق، بل هو خط الدفاع الأول عنه.
فزعة الشعب السوري أفشلت خطة الداخل والخارج على حدّ
سواء، وحمت الدولة من عبث التقسيم والانفصال، وكانت خطّ الدفاع الأول عن العمقين
العربي والإسلامي، لكنّ ذلك لا يعني أنّ محاولات المتضرّرين من استعادة سورية
عافيتها ستتوقّف وتنتهي، فربما تكون هناك محاولات جديدة بأشكال جديدة، والرهان
سيظلّ على فزعة السوريين لدولتهم ووعيهم بالمخاطر المحدقة بهم وبعمقهم العربي
الإسلامي الذي ينبغي أن يعرف حقيقة أنّه إذا ما سقطت سورية سيكون الدور التالي
عليه.
الآراء الوادرة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".