لبنان: الطريق إلى الانفجار
آب 08, 2025

حسام كنفاني

لم تكن مسألة سحب سلاح حزب الله يوماً أكثر جدّية وخطورة مما هي عليه اليوم، بعد قرار الحكومة اللبنانية أخيراً تكليف الجيش إعداد خطّة لحصر السلاح بيد الدولة. ردّد هذه العبارة كثيراً في السنوات الماضية سياسيون كثيرون، لكنها لم تدرج يوماً في قرار حكومي، مرفقاً بمهلة هي نهاية العام الحالي، أي بعد نحو أربعة أشهر. المهلة غير واقعية إطلاقاً، حتى لو كان حزب الله موافقاً على تسليم سلاحه، فكيف سيكون الحال وهو رافضٌ الفكرة من أساسها؟

بات من المعلوم أن المهلة إملاء أميركي إسرائيلي بالدرجة الأولى، وليست خياراً طوعياً من الحكومة اللبنانية. الإملاء مرفقٌ بتهديداتٍ على أكثر من صعيد، سياسي وعسكري واقتصادي، خصوصاً أن المبعوث الأميركي إلى سورية ولبنان، توم برّاك، ردد أكثر من مرة إن مسألة السلاح شأن لبناني. ما يعني رمي الكرة في ملعب الحكومة التي وضعها أمام خيارات صعبة، مع الإصرار على المهلة.

تدرك الحكومة اللبنانية أن تنفيذ المطالب الأميركية، ضمن مدى زمني محدّد أو مفتوح، شبه مستحيل، وقد يؤدّي إلى تداعياتٍ لا تُحمد عقباها، لكن من الواضح أنها تحاول شراء الوقت وتوجيه رسالة إلى واشنطن أنها تسير وفق "الورقة الأميركية"، والتي باتت غير قابلةٍ للتعديل، حرصاً على تجنّب تنفيذ الولايات المتحدة التهديدات والتحذيرات التي نقلها برّاك إلى المسؤولين اللبنانيين.

أول هذه التحذيرات عودة العدوان الإسرائيلي على لبنان بشكل أوسع، فرغم أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف يوماً منذ التوصل إلى اتفاق التهدئة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلا أنها، وفق التفسير الأميركي، لا تزال مضبوطة في إطار الاتفاق. يذهب التفسير إلى أبعد من ذلك، سيما في ما يتعلق بحرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء اللبنانية، إذ يفيد بأن ذلك وارد في بند سرّي في النص المتوافق عليه.

إذاً، التهديد الأميركي الأول هو بمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لتوسيع اعتداءاتها، والتي من غير المعلوم ما يمكن أن تستهدفها من منشآت، خصوصاً أن الحكومة ستصبح هدفاً بعد رفضها (افتراضاً) المطالب الأميركية. ومن شأن مثل هذه الاعتداءات أن تزيد تعقيد الوضع الاقتصادي اللبناني، والذي يرزح تحت وطأة التضخم وانهيار الليرة مقابل الدولار، وغياب أيٍّ من أنواع الدعم المادي، العربي أو الدولي.

الدعم المادي هو العنوان الثاني للتهديدات الأميركية، مع التلويح بوقف هذا الدعم الذي تقدّمه واشنطن، أو تسمح بتقديمه، للجيش اللبناني. ساهم هذا الدعم بشكل كبير في بقاء الجيش متماسكاً، بعدما انهارت قيمة رواتب عسكرييه بفعل الارتفاع الجنوني للدولار. يرفق ذلك برفع سيف العقوبات الأميركية والدولية في وجه الدولة اللبنانية، والتي تعيش على شفير الإفلاس.

في مقابل هذه السيناريوهات التي ستواكب رفض "الورقة الأميركية"، هناك سيناريو متخيّل لما يمكن أن يحصل في حال سعت الحكومة جدّياً إلى تطبيق قرار "حصر السلاح بيد الدولة". ففي ظل الموقف الذي يبديه حزب الله، ويصرّ عليه، وهو ما عبّر عنه أمينه العام نعيم قاسم في خطابه أخيراً لجهة الرفض المطلق لتسليم السلاح، فإن حرباً أهلية واسعة ستلوح في الأفق.

حربٌ اختبرها اللبنانيون طويلاً، وكان آخر مشهد منها في 7 مايو/ أيار 2008، وكان مرتبطاً أيضاً بحزب الله وشبكة الاتصالات الخاصة به، والتي حاولت الحكومة تفكيكها. وفيما جرى احتواء الوضع سريعاً حينها بعد تدخل عربي ودولي، فسيكون انفجار الحرب الأهلية اليوم أكثر شراسةً لأنه سيشمل تدخلات عربية ودولية بشكل مباشر أو غير مباشر، في العمليات العسكرية.

خياران مرّان أمام الحكومة اللبنانية، والمضي في أيٍّ منهما سيؤدّي إلى نتائج كارثية، لا سيما أن شراء الوقت لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يُكمل بعد عامه الأول في الحكم.

المصدر : العربي الجديد

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".