محمد
ياسين نجار
تتناقل
وسائل الإعلام العالمية منذ الحرب العالمية الثانية صور الانسحابات الأمريكية
المتعثرة، من مشاهد التعلق بطائرات كابول إلى ذكريات الهروب من سايغون، فنسارع في
عالمنا العربي إلى تحليلها كـ "نهاية للإمبراطورية". لكن هذا التحليل
غالباً ما يتغافل عن حقيقة تاريخية جوهرية: أميركا ازدادت سيطرة وقوة بعد حرب
فيتنام، ولم تنهار، وتحولت لاحقاً إلى قطب أوحد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
هذا
يدفعنا للسؤال الأهم: ألا يمكن اعتبار هذه "الهزائم التكتيكية" التي
نحتفل بها مجرد أفخاخ جيوسياسية، تتوج بنجاحات استراتيجية أعمق لا ندرك أبعادها في
وقتها؟
وقبل أن
أُفكك أبعاد هذه الفكرة، أود التأكيد على نقطة منهجية جوهرية: أنا لا أطرح هذه
المقاربة من باب الإعجاب بالنموذج الأمريكي، ولا من باب الكراهية المجردة.
هدفي
الأساسي من المقاربة هو دعوة الزملاء من المحللين السياسيين والاستراتيجيين الذين
يحللون عبر الشاشات للتفكير خارج صندوق "التحليل السياسي الكلاسيكي
العاطفي".
نحن
بحاجة ماسة للانتقال من حالة الأمة "المُنفعلة" التي تصفق لانتصارات أو
هزائم قد لا تخدمها، إلى حالة الدولة "الفاعلة" التي تفهم كيف تُدار
رقعة الشطرنج الدولية، لتبني أوطانها وتحمي أمنها القومي.
إذا
قرأنا المشهد بعيون "الواقعية السياسية" (Realpolitik)، سنجد أن أمريكا لا تقاتل اليوم لتكرار مشهد استسلام اليابان أو
ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، بل تقاتل لتحقيق أهداف أكثر تعقيداً، ترتكز
على ثلاثة محاور استراتيجية:
1️⃣استراتيجية "التوازن خارج المجال" (Offshore
Balancing) وإدارة الفوضى:
الهدف
الأسمى لواشنطن ليس نشر الديمقراطية أو تحقيق الاستقرار الكامل، بل "منع ظهور
قوة مهيمنة إقليمية" في الأقاليم الحيوية (أوروبا، الشرق الأوسط، شرق آسيا)
تستطيع منافستها أو التفوق عليها.
في
العراق مثلاً، لم تكن النتيجة استقراراً، بل فوضى عارمة. لكن هذه "الفوضى
المُدارة" حققت هدفاً أمريكياً بامتياز: تدمير قوة عسكرية إقليمية كبرى،
وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية بأسلوب سمح لقوى أخرى بالتمدد (إيران)، مما أدى
لإشغال دول المنطقة واستنزافها بتهديدات أمنية مستدامة، تجعلها في حاجة دائمة
للمظلة الأمريكية.
2️⃣استنزاف المنافسين الدوليين:
ساحات
الحروب الأمريكية هي غالباً أفخاخ جيوسياسية. التورط في صراعات تبدو مكلفة وعبثية
يُجبر المنافسين ( الصين - روسيا) على الانخراط في سباقات تسلح ودعم وكلاء كما حصل
مع (إيران)، مما يستنزف مواردهم وقد يؤدي لانهيار اقتصادياتهم (كما حدث في حرب
النجوم أيام الرئيس ريغان). الهدف هو نقل المعركة دائماً إلى الساحات الخلفية
للخصوم، وبعثرة جهود أي قطب دولي يطمح لمشاركة واشنطن في قيادة العالم. والبعض
يسأل هنا: هل ذهاب عمالقة التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي مع ترمب
للاستعراض أم لأشياء قد تفسر لاحقاً؟
3️⃣وقود "المجمع الصناعي العسكري":
لا
يمكننا قراءة القرار الأمريكي بمعزل عن الاقتصاد الداخلي. الحروب الطويلة الممتدة،
وتلك التي لا تنتهي بانتصار حاسم، هي الضمانة لاستمرار دوران عجلة كبرى شركات
السلاح والتكنولوجيا العسكرية، اختراعاً وانتاجاً. الساحات المشتعلة هي حقول تجارب
حية تبقي الترسانة الأمريكية متفوقة بأجيال عن أقرب منافسيها.
الخلاصة
وبناء الأوطان:
لقد
استطاعت الولايات المتحدة تقبل "هزائم تكتيكية" قاسية، لأنها تمتلك نظاماً
عالمياً متكاملاً قادراً على امتصاص هذه الصدمات. القوة النارية الباطشة، حتى وإن
أخفقت في فرض استسلام تام، نجحت دائماً في تفكيك الدول المارقة عن طاعتها، وإبقاء
العالم في حالة "سيولة" (Liquidity) جيوسياسية
لا يتقن إدارتها أحد سوى واشنطن التي لاتغفل عينها عن مراقبة العالم.
إن
التحدي الحقيقي أمامنا اليوم ليس النشوة بهزيمة أمريكا في هذه الساحة أو تلك، بل
في امتلاك الوعي الاستراتيجي البراغماتي. فهمنا لكيفية تفكير القوى الكبرى
وصناعتها للفوضى هو الخطوة الأولى لتحصين أوطاننا ومنطقتنا، لنكون فاعلين في صناعة
مستقبلنا، لا مجرد بيادق في حروب استنزاف تخدم غيرنا وتبقينا في حالة المراوحة.
الآراء
الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".