أسامة
أبو ارشيد
ثمَّة
قصّة تروى عن مقابلة صحافية أجراها صحافيٌّ هنديٌّ، أواخر ستينيّات القرن الماضي
أو أوائل سبعينيّاته، مع وزير الحرب الإسرائيلي آنذاك، موشيه دايان، كشف فيها
الأخير وثيقةً سرّيةً أعدّتها هيئة الأركان العامة الإسرائيلية، تهدف إلى تقويض
احتمال قيام وحدة عربية، وإثارة الانقسامات المذهبية والطائفية بين العرب. ودعت
تلك الوثيقة إلى تقسيم العراق بين ثلاث دويلات صغيرة: كردية في الشمال، وسنّية في
الوسط، وشيعية في الجنوب. وبالمثل، دعت الوثيقة إلى تقسيم سورية بين ثلاثة كيانات:
دولة للدروز في الجنوب، وأخرى للعلويين تمتدّ في طول الساحل حتى الحدود اللبنانية،
وثالثة للسُّنَّة مركزها دمشق. أمّا لبنان، فاقترحت الوثيقة تقسيمه بين دويلتَين:
واحدة للشيعة في جنوب لبنان، وأخرى للموارنة في شماله. وتمضي القصة لتقول إن
الصحافيَّ الهندي فوجئ بتصريحات دايان، وسأله على الفور: "كيف تكشف محتوى
وثيقة سرّية بهذه الطريقة؟"، فردّ دايان بسرعة قائلاً: "لا تقلق، العرب
لا يقرأون".
رغم أن
عبارة أن "العرب لا يقرأون" مشهورة، إلا أنّي لم أجد مصدراً يُعتدُّ به
في نسبة هذه المقولة إلى دايان، ولم أتمكّن من توثيق القصّة أعلاه، من دون أن يعني
ذلك العكس. بل، أزعم إن العرب يقرأون، ويتابعون الأخبار ويتناولونها بالفصفصة
والتحليل، حتى في المقاهي ومجالس السَمر. غير أنّي أجادل أن العرب لا يتحرّكون،
ولا يخطّطون، ولا يثورون عندما تعرض لهم أنباء تمسّ بأمنهم ومستقبلهم وهُويَّتهم
ووجودهم ومصالح أوطانهم. يكتفي العرب بالتحليل، والتنديد، والتحذير، ومُرِّ
الشكوى، وربّما الذهاب إلى الأمم المتحدة، حتى وهم يعلمون أنها مَدفَن حقوق الدول
الضعيفة. ينطبق التوصيف السابق على الأنظمة العربية الرسمية وعلى الشعوب. كان هذا
هو الحال، إلى حدٍّ كبير في الأمس، وهو الحال اليوم.
مناسبة
هذا الكلام الضجّة العربية، المُحقّة، ردّاً على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي،
بنيامين نتنياهو، خلال مقابلة مع القناة الإسرائيلية " i24، الثلاثاء الماضي، وقال فيها إنه "في مهمّة تاريخية
وروحانية، وأنا مرتبط عاطفياً برؤية إسرائيل الكبرى". مشدّداً على أنه في
"مهمّة أجيال بالإنابة عن الشعب اليهودي". وخلال تلك المقابلة، قدّم
المذيع هدّية له تجسّد "خريطة أرض الميعاد"، ليسأله إن كان يتفق مع رؤية
هذه الخريطة، ليرد نتنياهو بالقول: "كثيراً". أمّا حدود "أرض
الميعاد" توراتياً، وهي المملكة التي حكمها داود وسليمان عليهما السلام، فهي
تمتدّ، حسب سفر التكوين، "من النهر العظيم، نهر الفرات، إلى نهر مصر
(النيل)". بمعنى، أن الخريطة التي اعتبرها نتنياهو "إسرائيل
الكبرى" تضمّ كامل فلسطين المحتلّة، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزّة،
وأجزاء من الأردن ولبنان وسورية ومصر والعراق. ومن هنا نفهم خلفية غضب هذه الدول
والإدانات التي صدرت عنها وعن دول عربية أخرى.
ليست
تصريحات نتنياهو جديدةً في القاموس السياسي الصهيوني والإسرائيلي، إلا أن بعض
العرب اختاروا التعامي عن الحقيقة متعمّدين بهدف تبرير اتفاقات الإذعان التي
عقدوها مع الدولة العبرية. يورد أسعد رزّوق، في كتابه "إسرائيل الكبرى...
دراسة في الفكر التوسّعي الصهيوني" (بيروت، 1970)، أن المنظمة الصهيونية
العالمية بعثت مقترحات إلى "مؤتمر باريس للسلام" عام 1919، الذي عقدته
الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى لتشكيل نظام دوليٍّ جديد، وكان من
تداعياته الكارثية التقسيم الذي لحق بالدول العربية التي كانت خاضعةً للإمبراطورية
العثمانية المهزومة، فيما تُعرف اليوم بمنطقة الشرق الأوسط. وقد طالبت المنظّمة
الصهيونية العالمية بقيام "إسرائيل ضمن حدودها التاريخية". بعد ذلك عرض
ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل) المخطّط التوسّعي للدولة الناشئة، الذي
أعدّته هيئة أركان الجيش الإسرائيلي (1956 – 1957) تحت عنوان "الخطّة
الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي". وحسب استعراض رزّوق للخطّة، نجدها تتمحور
حول "هدفَين متلازمَين". الهدف الأدنى، الاستيلاء على الأراضي التي
تُعدُّ ضرورية لإسرائيل في زمن الحرب.
والهدف
الأقصى هو السيطرة على أراضٍ تلبّي جميع متطلّبات إسرائيل. "وفي محاولة لدمج
الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية في صياغة الخطط العدوانية
التوسّعية، يوضح واضعو الوثيقة أن المهمّة الوطنية للدولة الإسرائيلية تفرض عليها
احتلال المناطق العربية التي يُزعم أنها مكمّلة لأرض إسرائيل وللوطن القومي
اليهودي ضمن حدوده التاريخية" (رزوق). وتؤكّد الخطّة نفسها أن الهدف الأساس
وراء الاستيلاء على الأراضي العربية يتمثّل في "تعزيز الموقع السياسي لإسرائيل
من خلال السيطرة على الطرق الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وشقّ ممرّ عبر الدول
العربية، ومنع الوحدة العربية، ونشر دعاية مؤيّدة لإسرائيل بين الأقليات في
المنطقة".
لا أريد
الاستطراد هنا أكثر، فمعروفٌ أن إسرائيل سعت دائماً إلى تحقيق قدرٍ من
"إسرائيل الكُبرى". من هذا المنطلق، شاركت في العدوان الثلاثي على مصر
عام 1956، ثمَّ عزّزت مكاسبها في عدوان عام 1967، الذي احتلت فيه مساحاتٍ واسعةً
من مصر وسورية والأردن. وبعد ذلك توسّعت أكثر عام 1982 في لبنان. وها هي تعاود
الكرّة اليوم، وتضمّ أراضي جديدةً في سورية، منذ سقوط نظام بشّار الأسد أواخر
العام الماضي. وحتى عندما وقّعت "اتفاقات سلام" مع مصر والأردن فرضت
عليهما شروطاً تحدُّ من سيادة الدولتَين في أراضيهما. لكن إسرائيل تقارب اليوم
الأمور بمنظار مختلف، فـ"نشوة النصر" المزعوم التي أسكرتها خلال العامين
المنصرمين جعلتها تبدي أطماعها من دون تحفّظات أو مساحيق تجميل هذه المرّة، وهي لا
تتورّع حتى عن التحرّش بتركيا بعد أن شنّت عدواناً على إيران. تحدّث نتنياهو غير
مرّة عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر القوة لا السلام. وها هي حكومته تعمل من دون
تردّد في تقسيم سورية واقعاً إلى كيانات ثلاثة، سنّية، وكردية، ودرزية. وهو
(نتنياهو) ما زال يرفض الانسحاب من المناطق التي احتلّتها قواته، العام الماضي، في
جنوبي لبنان. وفي يوليو/ تموز الماضي، بدأت الحكومة الإسرائيلية الإجراءات العملية
لضمّ الضفة الغربية، في حين تعمل على تفريغ قطاع غزّة من سكّانه للسيطرة عليه بشكل
كامل. ثمَّ جاءت لحظة حديث نتنياهو أخيراً عن "إسرائيل الكبرى" ليضع بعض
المتعامين العرب أمام الحقيقة الصارخة التي استيقنوها بأنفسهم، ولكنّهم يجحدون
بها، فماذا هم فاعلون هذه المرّة، غير التنديد والإدانة طبعاً؟
كانت
تهمة العرب في الماضي أنهم لا يقرأون، ولكن ماذا ستكون التهمة اليوم، أنهم لا
يسمعون، لا يرون، لا يعقلون، لا يفهمون، لا يفقهون، لا يتحرّكون؟ الحقائق شاخصة
أمام أعيننا جميعاً. كلّ العقلاء قالوها من قبل، ترك غزّة وحدها وإعانة إسرائيل
على هزيمتها لا يمثّل انحداراً أخلاقياً فحسب، بل هي خطيئة استراتيجية ستكون لها
تداعيات على عروش وكراسي حكم في المنطقة يتوهم بعض أصحابها أنهم آمنون إن بالغوا
في استرضاء إسرائيل وأميركا. تعلّموا من الخبرة المخزية لـ"ملوك
الطوائف" في الأندلس. كتب نتنياهو على الجدران، وبالخطّ العريض، ما ينتظرنا
جميعاً من مصير قاتم. نحن أمام خيارَين: أن ننهض الآن أو أن نكون كحمقى الأندلس،
الذين قرأوا مصيرهم الذي توعّدتهم به إيزابيلا الأولى (ملكة قشتالة) وفرناندو
الثاني (ملك أراغون)، ولكنّهم اختاروا أن يضعوا غشاوةً على عيونهم، فكان أن دهمتهم
الكارثة.
المصدر :
العربي الجديد
الآراء
الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".