د . راشد الشاشاني
نعم إنّها بداية
البداية ، لكن ليست في نظرة روبيو ؛ بل فينظرتنا نحن . ما سمّي "
اتفاقاً اطاريّاً " بين لبنان وإسرائيل ؛ لم يكن يتعدى آمالاً عريضة لطالما
ردّدتها وسائل الإعلام ، دون أن تجد طريقاً فعليّاً لتنفيذها ، و لا زالت كذلك ،
بل زادت فوقه ؛ ما حذّرنا منه سابقاً حول استدراج يقلب الدولة اللبنانيّة إلى
مجموعة مسلّحة ؛ تعمل بيد الولايات المتّحدة ، وإمارة إسرائيل عليها ، بعد أن
سلّمها طُعما لإيران وأذرعها ؛ تثبت معه إيران وأعوانها هزالة لبنان كدولة .
تحرّكت إيران فوراًبإغلاق مضيق هرمز ؛ بغية تأكيد سيطرتها على موقف ضبط الصراع مع الولايات
المتحدة ، بعد أن امتلكت إيران علامة القدرة على وقف إطلاق النار في جبهاتها كلّها
؛ ومنها لبنان . سارعت الولايات المتحدة إلى إعلان " فرضها سطوة على لبنان
" سمّي اتفاقاً إطاريّا ؛ يهدف إلى سحب علامة ايران هذه ؛ وهو لهذا لم يكن
سوى ساحة معركة أخرى من ساحات القتال مع ايران - التي حرّكت حزب الله في لبنان -
سلّمتها سذاجة لبنان ، و " مجموعة موظفيه " إلى المتصارعين ، كساحة من
ساحات فوضى الاتفاق الإيراني الأمريكي التي تحدّثنا عنها سابقاً .
لم تقف خسارة لبنان عند ما سبق ، ولا عند التنسيق والخط
الساخن الذي سيتولى إدارة الصراع " والاقتتال داخل لبنان " سيضاف إليه
حتماً تراجعا في دعم أهمّ الحلفاء العرب ، وبخاصّة السعودية ؛ سعت الولايات
المتحدة الى قطع طريقها الذي حاولت فيه إزاحة لبنان عن مصير كهذا ، لم يكن اتصال
ماكرون بولي عهدها يحيد عن هذا السيناريو ، حاولت فرنسا مرارا تخفيف وطأة الإسراع
الأمريكي في دفع لبنان إلى هذا المصير ، طبعا ليس لأجل عيون لبنان ، إنّما هو
التصارع بين فرنسا والولايات المتحدة .
إقرأ أيضاً : عن حاجة لبنان إلى تفاهم وتفّهم داخلي!
قبل كل شيء أقول : إن جميع الرهانات سوف تخسر ،كل
الفرقاء سوف يدفعون الثمن ، بما فيهم أولئك الذين " برمو " مواقفهم حتى
تتكيّف مع تقلّب الأحداث ؛ لن تُجْدِ كلمات اللين و " اللبون " والرفض التي اجتمع عليها برّي وجنبلاط بعد
" حفحفة " زواياها بطريقة تسير في خطّ التوسّط بين المواقف ، لم يحسب
برّي - كرئيس مجلس نوّاب والجزء الأهمّ من الدولة اللبنانية وليس كشخص - أنّ :
" تذويب أظافر المواقف يجرح أكثر من حدّتها " ولن تُجْدِ في تلافي مأزق
" اللاعودة " تلميحات جنبلاط " الخجولة خجل البكر " ولا صيحات
حزب الله في الشارع ، ولا خطابات نعيم قاسم التي لا يتغيّر فيها سوى تاريخها .
أمّا في الجهة المقابلة ، فقد بات أبناء " السيادة
" ومعها الشرعيّة " أكثر يُتما وضياعاً ، لن تغنيهم تأييدات العشائر ؛
التي تشكّل مقتلا في كلّ مشروع دولة مهما كان شكلها ، ولا متاريس " شرعيّة
" جعجع ومن أيّده ؛ التي لا تعرف حتى
طريقها ؛ كي تعرف غيره ، لن أزيد هنا عن القول : بأنّ أكبر عيوب هذا "
الاتفاق " أنّه ابن الشرعيّة .
هذه الشرعية
التي لم تتمكن من إنهاء حزب الله بمفردها ؛ لن تتمكن بالتأكيد من إنهائه تحت قيادة
العمليّات الأمريكيّة ، سيّما مع الحديث عن بنود سريّة ، ناهيك عن دخول خطّ
الصفقات التجاريّة التي لا يترك ترمب فيها "عرسا إلّا و يَلجه " لبنان سيكون عامل التنظيفات في هذا العرس ، حين
يتحوّل الجيش اللبناني إلى مفرزة أمريكيّة إسرائيليّة ، وتتحوّل الدولة اللبنانية
إلى دور "عنصر جمركي وحيد "يكافح عمليّات تهريب كبريات العصابات ؛ وهو يسعى لتأمين بيئةٍ ؛ تقرّر
إسرائيل أنّها صالحة لانسحابها وإعادة انتشارها خارج الحدود ، أو التزام لبنان
بعدم تدخّل إيران وبرنامج صارم قائم على الأداء ، و قد ثبت أنّ لبنان يعجز عنها
كلّها ، إذا ؛ على ماذا تمّ الإتفاق ؟!
يمكن إدارة الفهم باتجاه آخر حين نفكّر بأنّ إقحام
الولايات المتحدة بدور في رقابة تدفّق الأموال إلى منظمات وكيانات وأفراد ، وتأكيد
ترمب على ضرورة الدور السوري المرافق لإنهاء حالة العداء اللبناني الإسرائيلي ؛
التي تعني من جهة إسرائيل : إقالة مخاوفها من مجموعات سوريّة مسلّحة ؛ قد تشكّل
خطراً نحوها ، في مقابل طمأنة الجانب السوري ؛ بأنّ قلقاً من هذا الاتجاه لم يعد
موجودا ، يأتي هذا ضمن خطّة حصر مجموعات حزب الله ؛ في نطاق منطقة تنحصر بين نفوذ
القوة الامريكيّة الاسرائيليّة و حدود مقدار التحرّز السوري ، وهنا نقول لجماعات
" السيادة والشرعيّة وغيرها من جماعات الهجوم لأجل الهجوم فقط " : لقد
بات العدو في أحضانكم " العدوّ هنا
إيران وأذرعها " .
فيما يتعلّق بجولة روبيو ؛ التي سارت ضمن رؤية التفكيك
والتركيب هذه ، التي سَعت إلى إجهاض محاولة السعوديّة تفادي نتيجة كهذه ، ودعمها
لبنان ، بل وسحب نفوذ تحالفها مع لبنان ، لم تكن جولة روبيو التي استثنت السعودية
تنظر إلى غير هذه المصلحة ، التي أُريد منها التسلّل في طبيعة العلاقات بين
الإمارات والسعوديّة إلى منطقة إنشاء خطّ خليجي داعم لفكرة عزل أيّة محاولة
سعوديّة للتخلّص من سطوة الولايات المتحدة ؛ بما يشمل ذلك جهود السعودية ضمّ هذه
الدول وما يسير في حلفها إلى توجّهها هذا ، ولو كان ذلك بتغيير التكتيكات على
الأرض ، ومع خصوم الأمس ، أما مسألة طمأنة
هذه الدول حول الاتفاق الأمريكي الإيراني ، وحماية مصالح الحلفاء الذين غيّروا
حساباتهم بعد ضربات إيران ؛ فهي لا تتعدّى
كونها " علبة مزخرفة " تحمل " قنبلة " في داخلها .
لقد كانت تصريحات برّي حول الدعم العربي مطلّة - دون أن
ترى - على مخاوف من إزاحة السعوديّة من المشهد اللبناني ؛ وهو ما يعني انهيار كل
محاولات الاستفادة من مواقف التأرجح إذا ما انكشف لبنان ؛ باستفراد الولايات
المتّحدة وإسرائيل به ؛ بعد تخفيف الضغط على الجيش الإسرائيلي ونقله إلى لبنان بكل
تفاصيل مؤسّساته ، وهو ما حاول قاليباف استدراكه ؛ باتصاله الأخير مع برّي ؛ ليس
لحماية برّي الذي كان سبباً رئيسيّاً في هذه الإنزلاقة ؛ بل لأنّ لبنان بات نقطة
الارتخاء الوحيدة التي يمكن لترمب العبث بها ، وإنجاح مساعي تربّصه بإيران .
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".