د. وائل
نجم
على مدى
قرابة أسبوعين شنّت، وما تزال، الطائرات الحربية الأمريكية غارات عسكرية مكثّفة
على مناطق ومنشآت حيوية في إيران، لا سيّما المناطق الجنوبية الساحلية، وتقول
أميركا إنّ الغارات تستهدف مناطق ومنشآت عسكرية أو تُستخدم لأغراض عسكرية، بينما
تقول إيران إنّ الضربات تستهدف منشآت ذات طابع مدني، وتردّ إيران على هذه الغارات
بضربات صاروخية وبالطائرات المسيّرة تستهدف ما تقول إيران إنّها قواعد عسكرية
أمريكية في دول الخليج تحديداً والأردن، بينما تؤكّد حكومات هذه الدول أنّ
الصواريخ الإيرانية تستهدف قواعد ومنشآت خاصة بجيوش هذه الدول كما في الصواريخ
التي استهدفت مدينة العقبة في الأردن حيث يعلم العالم كلّه أنّه لا تواجد عسكري
أمريكي في هذه المدنية ولا على بحرها.
تنُذر
هذه الأحداث والمواجهات بتطوّر المشهد وتوسّع الحرب من جديد بأكثر من اتجاه وعلى
أكثر من جبهة؛ فجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن يبدو أنّ لهم رغبة بدخول هذه
المواجهة مساندة لإيران على اعتبار أنّهم أحد حلفائها، وقد هدّدوا أكثر من مرّة
بإغلاق مضيق باب المندب، كما قالوا إنّهم شرعوا في فرض حصار على الموانئ السعودية
على البحر الأحمر، وقد يفرضون حصاراً على مطارات المملكة؛ بالطبع هذا الإجراء الذي
أعلنوا عنه اتخذت قيادة المملكة إجراءات مقابلة له.
وفي
لبنان حيث تسود حالة من الهدوء النسبي في الجنوب تخرقها في أحيان كثيرة اعتداءات
إسرائيلية يومية، تشي الأجواء أنّ الجبهة قد تخرج عن هدوئها النسبي في أيّة لحظة،
فلا رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يرغب بوقف الاعتداءات أو
إطلاق النار؛ ولا حزب الله راغب أيضاً بتنفيذ اتفاق الإطار الذي وقّعته الحكومة
اللبنانية مع كيان الاحتلال ويقضي بانسحاب قوات الاحتلال وانتشار الجيش اللبناني
مقابل تسليم حزب الله لسلاحه، بل يرفع حزب الله من لغة التحدّي ويؤكّد على أنّه
ماضٍ في مواجهة الاحتلال، بل ربما طوّر بعض المواقف التي أدلى بها بعض المسؤولين
لناحية التهديد بإقفال مطار بيروت إذا ظلّ الطيران الإيراني المدني ممنوعاً من
الهبوط فيه؛ وطرد سفراء (لم يحدّدهم) من
بيروت إذا ظلّ القرار الحكومي اللبناني سارياً لناحية رفض قبول أوراق اعتماد
السفير الذي سمّته إيران لها في لبنان. إنّ ما يجري في لبنان يشي أنّ احتمالات
عودة المواجهات قائمة ونسبتها ليست قليلة.
في مقابل
ذلك نجد أنّه قد عاد الحديث عن المفاوضات، فوزير داخلية إيران قام بزيارة إلى إسلام
آباد وناقش مع قائد الجيش الباكستاني مسألة المفاوضات ومذكرة التفاهم مع واشنطن؛
والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعلى الرغم من إصراره على استمرار الضربات
العسكرية التي تأخذ منحىً متدرجاً من التصعيد، تحدّث أيضاً عن المفاوضات، ولكنّه
أصرّ على نزول إيران على شروطه فيها، وهذا يعني أنّ مسألة توسّع الحرب ليست محسومة
بشكل قطعي، بل ربما تجد المفاوضات طريقها إلى الحلول ولو الجزئية أو المرحلية،
خاصة إذا ما استشعرت الأطراف المعنية الرئيسية بكلفتها العالية.
لكن، ماذا لو توسّعت الحرب؟!
إقرأ أيضاً : السعودية تردّ على محاولة أنصار الله الحوثية محاصرتها .. هل تندلع حرب إقليمية؟
قبل
الجواب على هذا السؤال، لا بدّ من طرح سؤال آخر، هل من أسباب لتوسّع الحرب أساساً؟
نعم هناك
أسباب لتوسّع الحرب وهناك دوافع لذلك. فأميركا التي بدأت هذه الحرب إلى جانب
"إسرائيل" على إيران على خلفية مزاعم باقتراب إيران من انتاج أسلحة
نووية، لا يمكن أن توقفها في منتصف الطريق من دون أن تتأكّد من عدم قدرة إيران على
إنتاج هذا السلاح، وهي إلى الآن لا تعرف مصير المنشآت النووية ولا مصير اليورانيوم
المخصّب بنسبة 60% فيها، لأنّ امتلاك إيران لأسلحة نووية يحوّلها إلى قوّة تتحكّم
بمصير المنطقة وثرواتها وأميركا لا تتحمّل ذلك، هذا أولاً.
ثانياً،
إيران حوّلت مسألة التحكّم بمضيق هرمز ومرور ناقلات النفط فيه إلى سلاح يوازي قدرة
النووي على التأثير من دون أن تتحمّل مخاطر المنشآت النووية ومصائبها، وبات تأثير
ذلك واضحاً، ولذلك فإنّ أميركا لا يمكن أن تتحمّل ذلك أيضاً، وبالتالي فإذا لم تصل
المفاوضات إلى نتيجة تشعر فيها أميركا بأنّه لا قدرة لإيران على التحكّم بمصير
المنطقة سواء عبر النووي أو عبر مضيق هرمز فإنّ أسباب الحرب وتوسّعها تظلّ قائمة
وحاضرة.
أمّا
فيما خصّ السؤال الأول، ماذا لو توسّعت الحرب، فإنّ الحرب آخذة في التوسّع أصلاً.
الولايات المتحدة تتدرّج في عملية الاستهدافات والحصار وتتوسّع بهما كجزء من الضغط
المتصاعد لإرغام إيران على النزول على الشروط الأمريكية، وهي عملياً تفكيك القوّة
الإيرانية وتفريغها من محتواها بحيث تفقد إيران القدرة على السيطرة والتأثير خارج
حدودها. في مقابل تدرّج إيران بالردّ وبشكل متصاعد أيضاً لأنّها تدرك أن أيّ تنازل
سيجرّ تنازلات أخرى وصولاً إلى إفقادها القدرة على التأثير في وقت كانت لديها
طموحات تصل إلى حدود التأثير والتحكّم بكلّ المنطقة، بل ربما وصولاً إلى العالم.
إذا ظلّت
الحرب آخذة بالتوسّع فهذا سيعني انخراط دول أخرى فيها، خاصة إذا ما طال زمنها
وتوسّع مداها سريعاً. سيعني أيضاً لجوء أحد الأطراف إلى استخدام وسائل وآليات
كاسرة للتوازن إذا شعر أنّ إطالة أمد الحرب ليس في صالحه بسبب ظروف وعوامل الزمن
أو الضغوط الداخلية أو ما سواها. سيعني أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية في
العديد من المناطق، وسيعني قيام نظام إقليمي وربما عالمي جديد يختلف كلّياً عمّا
هو قائم اليوم.
بصراحة
كاملة، الأمور لا تبشّر بخير، فكلا الطرفين بات وكأنّه يخوض معركة وكأنّها صفرية،
وفي المعارك الصفرية لا وجود للتسويات، بل هناك رابح وخاسر، ولكن كم من الأرواح
ستُزهق والأموال ستُهدر حتى لحظة معرفة الرابح من الخاسر!
الآراء
الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".